
ارتفاع ضغط الدم من أكثر الأمراض المزمنة انتشاراً، ومن أبرز عوامل الخطر المؤدية إلى السكتة الدماغية التي تُعد أحد الأسباب الرئيسية للوفاة والإعاقة حول العالم. ورغم التقدم في وسائل التشخيص والعلاج، فلا تزال الوقاية من مضاعفات هذا المرض تمثل تحدياً صحياً يتجاوز توفير الأدوية والخدمات الطبية، ليشمل وعي المريض وسلوكه اليومي ومدى التزامه بالإجراءات الوقائية.
قد يدرك مريض ارتفاع ضغط الدم أهمية الالتزام بالعلاج، ومراقبة ضغطه بانتظام، وممارسة النشاط البدني، والحفاظ على وزن صحي، ولكنه قد يجد صعوبة في تحويل هذه المعرفة إلى سلوك يومي مستمر. وهنا يبرز السؤال: ما الذي يحُول بين معرفة المريض بوسائل الوقاية من السكتة الدماغية والتزامه الفعلي بها؟
وقد لفتت الانتباه دراسة علمية حديثة تناولت هذه القضية من زاوية مختلفة؛ إذ لم تكتفِ بقياس معرفة مرضى ارتفاع ضغط الدم بالسكتة الدماغية؛ بل بحثت أيضاً في قناعاتهم وممارساتهم المتعلقة بالوقاية منها. وتكتسب الدراسة أهمية خاصة في سياقنا العربي؛ إذ أُجريت في مصر، أكبر الدول العربية من حيث عدد السكان، وشملت 700 مريض في 12 محافظة، ما يجعلها نموذجاً ميدانياً مهماً لفهم الفجوة بين المعرفة والسلوك الوقائي.
وللوقوف على أبرز نتائج الدراسة ودلالاتها الصحية، تواصلت «صحتك» مع الدكتور عبد الله عباس، الباحث في مجال طب المخ والأعصاب بكلية طب الأزهر بدمياط، وأحد الباحثين المشاركين في الدراسة المنشورة عام 2026 في دورية «Scientific Reports» العلمية، التابعة لمجموعة «Nature Portfolio»، لمناقشة ما تكشفه النتائج عن سلوك المرضى، والعوامل التي تعوق الوقاية الفعالة من السكتة الدماغية.

دراسة علمية
لماذا مرضى ارتفاع ضغط الدم تحديداً؟ يوضح الدكتور عبد الله عباس أن الدافع وراء إجراء الدراسة كان الحاجة إلى فهم مدى معرفة مرضى ارتفاع ضغط الدم بالسكتة الدماغية، واتجاهاتهم نحو الوقاية منها، ومدى انعكاس ذلك على ممارساتهم اليومية. ويقول: «معظم الدراسات السابقة تناولت وعي عامة الناس بالسكتة الدماغية، أو معرفة المرضى بها بعد الإصابة، بينما لم تتوفر صورة واضحة عن معرفة مرضى ارتفاع ضغط الدم أنفسهم، رغم أنهم من الفئات الأكثر عرضة لخطر الإصابة».
ولذلك حرص الفريق البحثي على ألا يقتصر التقييم على المعلومات التي يمتلكها المرضى؛ بل أن يشمل أيضاً قناعاتهم وسلوكياتهم الوقائية، بهدف تحديد مواضع الخلل التي قد تحول دون ترجمة الوعي الصحي إلى ممارسات فعلية.
وكشفت الدراسة عن مفارقة لافتة بين ما يعرفه مرضى ارتفاع ضغط الدم عن السكتة الدماغية وما يطبقونه فعلياً للوقاية منها، فقد أظهرت النتائج أن 67.9 في المائة من المشاركين يمتلكون مستوى كافياً من المعرفة، وأن 83 في المائة لديهم اتجاهات إيجابية نحو الوقاية، ولكن نسبة الذين حققوا مستوى كافياً من الممارسات الوقائية لم تتجاوز 33.7 في المائة.
وتشير هذه النتائج إلى أن امتلاك المعلومات الصحية والاقتناع بأهمية الوقاية لا يضمنان بالضرورة الالتزام بالسلوكيات المطلوبة. فعلى سبيل المثال، أفاد 33.7 في المائة بأنهم يقيسون ضغطهم دائماً، بينما بلغت نسبة الذين أفادوا بممارسة الرياضة بانتظام 13.1 في المائة فقط.
وفي المقابل، أظهرت الدراسة أن معظم المشاركين كانوا على دراية ببعض العلامات التحذيرية للسكتة الدماغية، مثل ضعف أحد جانبي الجسم أو اضطراب الكلام المفاجئ، وإن تفاوتت معرفتهم ببقية الأعراض والمضاعفات.
ويعلِّق الدكتور عبد الله عباس على هذه المفارقة موضحاً أن الاستجابة لحالة طارئة قد تتطلب قراراً واحداً، بينما تحتاج الوقاية إلى التزام متكرر يمتد سنوات. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إيصال المعلومات الصحية إلى المرضى فحسب؛ بل في مساعدتهم على تحويلها إلى عادات يومية مستمرة.
فروق في المعرفة والممارسة
• فروق جغرافية: لم تكن مستويات المعرفة والممارسات الوقائية متساوية بين المشاركين في الدراسة؛ فقد ظهرت فروق لافتة حسب المنطقة الجغرافية والمستوى التعليمي. وأظهرت النتائج أن المشاركين من محافظات الوجه البحري والمناطق الحضرية كانوا أكثر أرجحية لتحقيق مستوى كافٍ من المعرفة بالسكتة الدماغية، مقارنة بالمشاركين من الوجه القبلي.
لكن هذه الفروق في المعرفة لم تنعكس بالضرورة على السلوك الوقائي؛ إذ لم يظهر فرق ذو دلالة إحصائية في مستوى الممارسات بين الوجه البحري والوجه القبلي، بينما كان المشاركون من المحافظات الحضرية أكثر أرجحية لتحقيق مستوى كافٍ من الممارسة الوقائية.
ويشير الدكتور عبد الله عباس إلى أن هذه النتيجة تكشف جانباً مهماً من المشكلة؛ فارتفاع مستوى المعرفة لا يكفي وحده لضمان الالتزام بالسلوكيات الصحية، وأن الحاجة إلى دعم الممارسات الوقائية لا تقتصر على منطقة بعينها.
كما ارتبط ارتفاع المستوى التعليمي، وسماع المريض سابقاً عن السكتة الدماغية، بتحسن المعرفة بها. وارتبط انتظام السيطرة على ضغط الدم باتجاهات أكثر إيجابية وممارسات وقائية أفضل.ومع ذلك، يؤكد الباحث ضرورة الحذر عند تفسير هذه العلاقات؛ فالدراسة مقطعية، وتكشف عن ارتباطات بين العوامل المختلفة، ولكنها لا تثبت أن أحدها تسبب في الآخر.
• لماذا لا تتحول المعرفة إلى سلوك؟ تشير نتائج الدراسة إلى أن العلاقة بين المعرفة والممارسات الوقائية كانت ضعيفة نسبياً، بينما ظهر ارتباط أقوى بين الاتجاهات الإيجابية نحو الوقاية والممارسة الفعلية. وهذا يعني أن معرفة المريض بعوامل خطر السكتة الدماغية ووسائل الوقاية منها لا تكفي وحدها لضمان التزامه بها.
ويوضح الدكتور عبد الله عباس أن الاقتناع الشخصي بأهمية الوقاية يمثل عاملاً مهماً في تغيير السلوك؛ فهناك فرق بين أن يعرف المريض أن النشاط البدني مفيد لصحته، وأن يدرك أنه معرض شخصياً لخطر السكتة الدماغية، وأن بإمكانه الحد من هذا الخطر باتباع عادات صحية منتظمة.
ويمكن فهم هذه العلاقة في ضوء ما يُعرف بـ«نموذج الاعتقاد الصحي» (Health Belief Model)، الذي يفسر السلوك الوقائي من خلال مجموعة عوامل، أبرزها إدراك الفرد لاحتمال إصابته بالمرض وخطورته، واقتناعه بفوائد الوقاية، والعوائق التي قد تحول دون تطبيقها.
غير أن هذه العوائق لا تتعلق بالقناعة وحدها؛ فقد يواجه المريض صعوبات عملية، مثل عدم توفر جهاز لقياس الضغط في المنزل، أو غياب مكان مناسب للمشي، أو صعوبة الحصول على متابعة طبية منتظمة. ولذلك، فإن تحسين المعرفة الصحية ينبغي أن يصاحبه دعم عملي يساعد المرضى على تحويل ما يعرفونه إلى سلوك يومي مستمر.
مقترحات الدراسة
في ضوء هذه النتائج، يدعو الباحثون إلى تطوير برامج الوقاية من السكتة الدماغية، بحيث لا تقتصر على نشر المعلومات الصحية؛ بل تساعد المرضى على تحويلها إلى ممارسات يومية قابلة للاستمرار.
ويوضح الدكتور عبد الله عباس أن زيارات المتابعة الدورية لمرضى ارتفاع ضغط الدم تمثل فرصة مهمة لتقديم المشورة الوقائية، ومناقشة العوائق التي تواجه كل مريض، ووضع أهداف واقعية تتناسب مع حالته الصحية وظروفه المعيشية، بدلاً من الاكتفاء بالنصائح العامة.
ومن المهم هنا التمييز بين نقص المعرفة وصعوبة تطبيقها؛ فالمريض الذي لا يدرك خطورة ارتفاع ضغط الدم يحتاج إلى التثقيف الصحي، بينما يحتاج المريض الذي يعرف المخاطر لكنه لا يلتزم بالممارسات الوقائية إلى فهم العوائق التي تحول دون تطبيقها، والعمل على تذليلها. وتؤكد الدراسة أهمية استكشاف هذه العوائق بصورة أعمق في بحوث لاحقة.
كما يؤكد الباحث أهمية تدريب العاملين الصحيين على أساليب المشورة التي تشجع المريض على المشاركة في اتخاذ القرارات المتعلقة بصحته، وتعزز قدرته على الالتزام بالعلاج ومراقبة ضغط الدم وممارسة النشاط البدني. ويمكن أن تشمل هذه المشورة الاتفاق مع المريض على أهداف محددة، ومراجعة قراءات الضغط المسجلة، ومناقشة ما تحقق من تقدم في الزيارات اللاحقة.
وتشير الدراسة إلى ضرورة مراعاة الاختلافات الاجتماعية والجغرافية عند تصميم برامج التوعية والوقاية، مع تعزيز دور الرعاية الصحية الأولية والعاملين الصحيين المجتمعيين؛ خصوصاً في المناطق التي تواجه صعوبات في الوصول إلى الخدمات الصحية.
ومن المفيد كذلك ألا يُقاس نجاح برامج التوعية بمقدار المعلومات التي يكتسبها المرضى فحسب؛ بل أن يشمل تقييمها مدى انعكاس تلك المعلومات على ممارساتهم الوقائية الفعلية. فالمؤشر الأهم ليس ما يتذكره المريض من معلومات، وإنما ما يستطيع تطبيقه والاستمرار عليه.
ويخلص الباحث إلى أن الوقاية الفعالة تتطلب شراكة بين المريض والفريق الطبي والمنظومة الصحية؛ فالمعرفة تضع الأساس، ولكن الدعم والمتابعة وتذليل العوائق هي ما تساعد على تحويلها إلى سلوك مستمر.
وأخيراً، نشير إلى أن أهمية هذه الدراسة لا تقتصر على ما كشفته من تفاوت بين المعرفة والممارسات الوقائية لدى مرضى ارتفاع ضغط الدم في مصر؛ بل تمتد إلى إثارة سؤال يهم ملايين المرضى في مجتمعاتنا العربية: هل نكتفي بمعرفة ما يحمي صحتنا، أم نحوِّل هذه المعرفة إلى عادات يومية؟ فارتفاع ضغط الدم قد يستمر سنوات دون أعراض واضحة، بينما تتراكم آثاره على الأوعية الدموية والقلب والدماغ. ولذلك، فإن الشعور بالعافية لا يعني بالضرورة أن ضغط الدم تحت السيطرة، كما أن تناول الدواء وحده لا يغني عن المتابعة المنتظمة والالتزام بنمط حياة صحي.
وتبدأ الوقاية بخطوات بسيطة؛ لكنها مؤثرة: قياس ضغط الدم وفق إرشادات الطبيب، وتسجيل القراءات، والانتظام في تناول العلاج الموصوف دون إيقافه أو تعديل جرعاته من تلقاء النفس، وتقليل الملح في الطعام، وممارسة النشاط البدني المناسب للحالة الصحية، والمحافظة على وزن صحي، والامتناع عن التدخين.
كما ينبغي معرفة العلامات التحذيرية للسكتة الدماغية، مثل الضعف المفاجئ في أحد جانبي الجسم، أو اضطراب الكلام، وطلب الإسعاف فور ظهورها، حتى لو اختفت الأعراض بعد دقائق.
وتبقى الرسالة الأهم أن الوقاية ليست قراراً يُتخذ مرة واحدة؛ بل ممارسة تتجدد كل يوم. وربما يكون السؤال الذي يستحق أن يطرحه كل مريض على نفسه اليوم: «متى كانت آخر مرة قِستُ فيها ضغطي؛ لا لأني أشعر بشيء؛ بل لأنها عادة؟».
* استشاري طب المجتمع
رابط الدراسة الإلكتروني:
https://www.nature.com/articles/s41598-026-61467-w




