شؤون عربية ودولية

السعودية.. السوق توسّع لكن هل أصبح أكثر عمقاً؟ قراءة في خروج السيولة ودور برنامج تطوير القطاع المالي : CNN الاقتصادية



في الأشهر الأخيرة برزت ظاهرة يصعب تجاهلها: ارتفاع ملحوظ في تداولات السعوديين في السوق الأميركي، لم يعد الأمر مجرد تنويع طبيعي للمحافظ، بل تحوّل إلى إعادة توجيه ملموسة للسيولة خارج السوق المحلي، والسؤال هنا ليس عاطفياً ولا شعبوياً، بل استراتيجياً: هل أدّى برنامج تطوير القطاع المالي وظيفته الكاملة في تعميق السوق السعودي وربط الادخار الوطني بتمويل الاقتصاد؟

رأس المال لا يتحرك بدافع الانطباعات، بل وفق معادلة العمق والاستقرار والرؤية طويلة الأجل، وعندما تتجه السيولة إلى الخارج في وقت يُفترض أن السوق المحلي أصبح أكثر نضجاً ضمن رؤية 2030، فإن ذلك يستحق قراءة هيكلية، لا تفسيراً سطحياً.

إعادة تسعير المخاطر كشفت الفجوة

ما حدث في الربع الأول من 2025 لا يبدو أنه كان تدهوراً مفاجئاً في أساسيات الاقتصاد، بل إعادة تسعير للمخاطر، بالتزامن مع تصاعد التوترات التجارية عالمياً وإعلان الولايات المتحدة عن توجه أكثر تشدداً في السياسات الجمركية، بدأت الأسواق تعيد تقييم شهية المخاطرة في الاقتصادات الناشئة عموماً.

في الداخل جاءت إشارات مزدوجة زادت من حالة عدم اليقين: إعلان رسمي عن تحقيق مستهدفات رؤية 2030 بشكل مبكر، يقابله حديث لاحق عن إمكانية إلغاء أو إعادة جدولة مشاريع كبرى، حتى لو كانت هذه المراجعات منطقية مالياً، فإنها رفعت علاوة المخاطر المرتبطة بقطاعات مرتبطة بالإنفاق الحكومي.

سلوك المؤسسات في السوق خلال 2025 يعكس هذا التحول بوضوح؛ فقد تحولت إلى بائع صافٍ بشكل متكرر، وهو نمط أقرب إلى إدارة مخاطر وسيولة منه إلى مضاربة قصيرة الأجل، وبالتالي ما شهدناه لم يكن انهيار ثقة في الاقتصاد، بل إعادة تموضع استثماري في بيئة أصبحت أكثر ضبابية.

دعم التقنية المالية انحاز لجانب البيع أكثر من بناء طلب محلي

ضمن برنامج تطوير القطاع المالي، جاء جزء كبير من مبادرات التقنية المالية باتجاه تمكين جانب البيع (Sell-side): تسهيل الترخيص، تطوير قنوات التوزيع والتنفيذ، دعم منصات الوساطة، والترتيب، والبنية الرقمية التي تجعل بيع المنتجات وتنفيذ الصفقات أسرع وأسهل، هذا رفع كفاءة السوق من ناحية الوصول والتنفيذ.

لكن في المقابل لم يتطور جانب الشراء (Buy-side) الذي يصنع «طلباً محلياً طويل الأجل» بالوتيرة نفسها، خصوصاً طبقة المستشارين الاستثماريين ومديري الثروات القادرين على توجيه المدخرات إلى منتجات سعودية تخدم تمويل الرؤية، وفي مقدمتها الصكوك الحكومية.

حتى عندما تم دعم الروبو-أدفايزر، وهو أقرب ما يكون لواجهة استشارية، اتجه عملياً ليكون قناة توزيع لمنتجات تستثمر خارج السعودية تحت شعار التنويع، بدل أن يتحول إلى قناة منهجية لتوجيه جزء معتبر من المدخرات إلى الصكوك والأسهم السعودية.

وبهذا تطورت قنوات البيع والتنفيذ، لكن دون أن تُبنى قناة شراء محلية عميقة تخدم هدف التمويل الوطني، ويظهر الخلل عندما تضطر الدولة لبيع الصكوك مباشرة للأفراد عبر قنوات منفصلة، بدل أن تمر هذه التدفقات عبر الصناعة الاستثمارية التي جرى دعمها أساساً.

الحلقة المفقودة.. غياب الحساب التقاعدي حرم السوق من صانع طلب وطني طويل الأجل

منذ إطلاق رؤية السعودية 2030، كان من المنطقي أن يترافق تطوير السوق المالية مع إنشاء آلية ادخار تقاعدي منظم، شبيه بحسابات 401k في الولايات المتحدة، تُوجّه من خلالها استقطاعات شهرية منتظمة إلى أدوات استثمارية محلية طويلة الأجل، مثل هذا النظام لا يحقق هدفاً اجتماعياً فحسب، بل يُنشئ محركاً مالياً دائماً يدعم استقرار السوق ويخفض تكلفة تمويل الدولة.

غياب هذا التشريع حرم السوق من ثلاثة عناصر استراتيجية في آنٍ واحد:

أولاً، تدفقات شهرية مستقرة تمتص التقلبات بدل أن تتأثر بها.

ثانياً، قاعدة طلب طبيعية للصكوك الحكومية تموّل مشاريع الرؤية محلياً بكفاءة أعلى.

ثالثاً، آلية تراكم ثروة طويلة الأجل للمواطنين عبر عوائد مركبة مرتبطة بنمو الاقتصاد الوطني.

في الأسواق المتقدمة لا يأتي عمق السوق من عدد المتداولين أو تطور المنصات التقنية، بل من وجود ادخار تقاعدي مؤسسي ضخم يعمل كصانع طلب دائم، في المقابل ظل السوق السعودي في 2025 يعتمد بدرجة كبيرة على سيولة مؤسسات متغيرة، وأفراد قصيري الأجل، وتدفقات أجنبية انتهازية، دون وجود قاعدة وطنية طويلة الأجل تمتص موجات البيع.

تأخر إنشاء الحساب التقاعدي لم يكن مجرد فجوة تشريعية، بل تأخير في بناء البنية الأساسية لتمويل داخلي مستدام، كان من الممكن أن يربط بين تمويل مشاريع الرؤية وتنمية ثروة المواطنين في دورة اقتصادية متكاملة تخدم الطرفين.

الحلقة الأضعف.. إهمال بناء جانب الشراء (المستشار المالي) في سوق خرج من إرث ريعي

على مدى عقود اعتمد الاقتصاد السعودي على نموذج دولة راعية تتحمل الجزء الأكبر من مسؤولية الادخار، التقاعد، والدعم الاجتماعي، في مثل هذا النموذج لم تتشكل صناعة استشارات مالية مستقلة وقوية تقود توجيه رأس المال الفردي كما هي الحال في الاقتصادات القائمة على الادخار والاستثمار المؤسسي.

مع إطلاق رؤية 2030 والتحول نحو اقتصاد أكثر انفتاحاً واستثماراً، كان من المنطقي أن يحظى جانب الشراء الاستشاري بدعم استثنائي لإعادة بنائه من الصفر تقريباً، إلا أن التشريعات والمبادرات ركزت بصورة أوضح على تنمية جانب البيع -الوساطة والترتيب وتنشيط التداول- دون إيلاء الاهتمام نفسه لبناء مهنة المستشار الاستثماري المستقل وحمايتها وتنظيمها.

أحد أبرز مظاهر هذا الخلل يتمثل في ضعف تقنين نشر التوصيات الاستثمارية دون ترخيص، فبينما يخضع الوسيط أو المستشار المرخص لمتطلبات تنظيمية صارمة، يستطيع أفراد غير مرخصين نشر توصيات مؤثرة تحت غطاء «التحليل الفني» أو الرأي الشخصي، ما يخلق بيئة تداول نشطة تخدم عمولات التنفيذ، لكنها لا تخدم حماية المستثمر أو بناء ثقافة استثمار طويلة الأجل، ورغم معاقبة بعض المتجاوزين فإن الإطار الحالي لا يغلق الباب هيكلياً أمام استمرار الظاهرة.

إذا كان الهدف هو سوق يخدم تمويل الرؤية ويعزز الادخار الوطني، فإن بناء طبقة استشارية مستقلة، منظمة، وقادرة على توجيه رأس المال بوعي طويل الأجل، ليس خياراً ثانوياً بل ركيزة أساسية، تجارب مثل بريطانيا تُظهر أن قوة صناعة الاستشارات لا تقل أهمية عن تطور منصات التداول، بل هي التي تحدد جودة تخصيص رأس المال في الاقتصاد ككل.

ختاماً.. المسألة تتجاوز القطاع المالي وتحتاج تدخلاً وطنياً عاجلاً

ما تكشفه تطورات 2025 لا يتعلق بسوق الأسهم وحده، ولا ببرنامج تطوير القطاع المالي بمعزل عن غيره، بل ببنية أوسع لتراكم رأس المال الوطني، فبناء ادخار طويل الأجل وتمويل مشاريع الرؤية محلياً يتطلب تنسيقاً يتجاوز حدود القطاع المالي إلى السياسات الاقتصادية، والتنموية، والمالية، وحتى الإطار الزكوي والتنظيمي.

إن إنشاء حسابات ادخار أو تقاعد وطنية فاعلة لن يكون مجرد منتج استثماري جديد، بل نظام متكامل لتكوين رأس المال، يحتاج إلى مصادر تمويل واضحة، وقنوات استثمار محلية قادرة على استيعاب السيولة، وإطار زكوي وضريبي لا يعاقب الادخار طويل الأجل ولا يدفعه إلى الخارج، هذه منظومة متعددة الجهات بطبيعتها، ولا يمكن إدارتها بجهد قطاعي منفصل.

لذلك فإن المرحلة الحالية تتطلب مساراً وطنياً عاجلاً بإشراف تنسيقي عالي المستوى، بقيادة واضحة وجدول زمني محدد، يعيد ضبط أولويات تعميق السوق خلال هذا العام، قبل أن يتحول خروج السيولة إلى نمط مستقر يصعب عكسه، المطلوب ليس إعادة صياغة الرؤية، بل استكمالها عبر ثلاث خطوات متوازية: إطلاق إطار ادخار طويل الأجل، بناء قنوات امتصاص محلية للصكوك والاستثمارات الوطنية، ومراجعة تنظيمية وزكوية تواكب هذه التحولات.

تعميق السوق المحلي لم يعد خياراً تطويرياً، بل ضرورة استراتيجية، وإذا كانت رؤية 2030 قد نجحت في تحفيز النمو والتوسع، فإن المرحلة المقبلة يجب أن تركز على ترسيخ رأس المال الوطني داخل الاقتصاد، وجعل المستثمر السعودي شريكاً طويل الأجل في تمويل مستقبله، لا مجرد متداول يبحث عن العمق في الخارج.

تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى