اليوم العالمي للأمراض النادرة.. دعوة لبناء مستقبلٍ أكثر إشراقاً : CNN الاقتصادية


تخيّل أن تشعر بأعراض مرضية وتسعى للحصول على مساعدة طبية، لكن لا أحد يستطيع أن يخبرك بما تعانيه، وتستمر في هذه الحيرة حتى بعد سنوات من الفحوصات والتحاليل. في العادة، تنتهي زيارة الطبيب بتشخيص واضح خلال أيام، لكن بالنسبة لـ300 مليون إنسان حول العالم يعيشون مع مرض نادر، نصفهم من الأطفال، تستغرق رحلة البحث عن إجابة خمس سنوات في المتوسط.
وحتى عندما يُحسم التشخيص أخيراً، فإن أقل من 10% فقط من الحالات النادرة يتوفر لها علاجٌ معتمد. ومع ذلك، فإن التقدّم الطبي المتسارع، إلى جانب تنامي الوعي العالمي، يدفع اليوم باتجاه حلولٍ جديدة للمصابين بالأمراض النادرة حول العالم. وقد شهد عام 2025 محطة مفصلية حين توافق وزراء الصحة من مختلف أنحاء العالم خلال جمعية الصحة العالمية على اعتماد اتفاقٍ تاريخي، نقل ملف الأمراض النادرة من هامش الاهتمام إلى صدارة أولويات الصحة العالمية.
أما في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، فتلعب الشراكات بين القطاعين العام والخاص، المدعومة بالابتكارات الرقمية، دوراً محورياً في اختصار رحلة التشخيص، وجعل الرعاية ذات المعايير العالمية في متناول المرضى داخل أوطانهم. ولضمان تحويل هذا الزخم إلى تغيير ملموس في حياة المرضى في منطقتنا يقتضي علينا اليوم توجيه بوصلة جهودنا على ثلاثة مساراتٍ حاسمة.
أولاً، لا بدّ من تشخيصٍ هذه الأمراض بشكل أبكر وأسرع. وهنا يبرز دور تبني الأدوات الرقمية الداعمة للقرار السريري كركيزة أساسية، وهو تحوّلٌ تقوده شراكات إقليمية مبتكرة. حيث تعمل أحد هذه الشراكات على دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي لتسريع تشخيص اضطراب طيف التهاب النخاع والعصب البصري (NMOSD) في أنحاء الشرق الأوسط وإفريقيا، إلى جانب تقليل مخاطر التشخيص الخاطئ وما يترتب عليه من فقدان البصر وتراجع القدرة على الحركة، مما يساعد المرضى في الوصول إلى الرعاية الملائمة في وقتٍ أقصر.
ثانياً، ينبغي العمل على رفع مستوى معايير الرعاية الصحية عبر توطين الكفاءات التخصصية من خلال إنشاء شبكةٍ متكاملة من مراكز التميّز التخصصية والتي تعد من أكثر الأساليب استدامة في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا. ومن خلال نقل المعرفة وتركيز الموارد داخل الدول نفسها، تتيح هذه المراكز للمرضى الحصول على الرعاية التي يحتاجون إليها بالقرب منهم، من دون الاضطرار إلى السفر لمسافات بعيدة أو التوجّه إلى دول أخرى، وهو ما يشكّل عبئاً كبيراً يصعب على كثير من المرضى تحمله.
وأخيراً، تظل الأولوية القصوى هي ضمان العدالة والتكافؤ في الوصول إلى العلاج، لتكون الابتكارات الطبية متاحة الجميع، ولأن 70% من الأمراض النادرة تبدأ في مرحلة الطفولة، يبرز الفحص الشامل لحديثي الولادة كخطوة وقائية حاسمة، تتيح للجهات الصحية تشخيص الأمراض في بدايتها، حتى قبل ظهور أي أعراض. وفي هذا السياق، من المبشر جداً أن نرى المملكة العربية السعودية تطبق برامج الفحص الجيني السريع لحديثي الولادة عبر تحالف بيجين إن جي إس (BeginNGS)، مما سيمهد الطريق للكشف المبكر عن أكثر من 500 حالة وراثية معقدة. نعمل جنباً إلى جنب مع الحكومات لتطوير آليات تمويل أكثر استدامة تُعد مصر رائدة في هذا المجال على مستوى المنطقة، وكانت راعياً رئيسياً لقرار جمعية الصحة العالمية.
قد تبدو هذه التحديات معقدة، إلا أن «يوم الأمراض النادرة» يأتي ليذكرنا بأن الوقت هو العامل الأهم، وأن الانتظار لم يعد خياراً. فالتقدم الحقيقي لا يتحقق إلا عندما تتكامل جهود المنظومة الصحية لخدمة المريض أولاً. ونقطة البداية واضحة: تشخيص مبكر، رعاية تخصصية شاملة، وعدالة في الوصول للعلاج.
إن التزامنا بهذه الركائز هو السبيل الوحيد لاختصار سنوات البحث المؤلمة عن إجابات، وحماية المرضى من مضاعفات يمكن تفاديها. وفي النهاية، فإن الأثر الإيجابي الذي نتركه في حياة كل مريض وعائلته هو المعيار الأصدق لنجاحنا.




