مهنة العلاقات العامة.. من مهنة الحكّائين لصناعة الأموال : CNN الاقتصادية


عند بداية مشواري في مجال العلاقات العامة -أو ما نسمّيه اليوم «الاتصالات الاستراتيجية»- كان الدافع الأساسي هو حبي للصحافة والإعلام، وإيماني العميق بدورهما التنويري في المجتمع.
وفي تسعينيات القرن الماضي، كان جوهر العمل يتمحور حول كتابة البيانات الصحفية، والتعامل مع الزملاء الصحفيين، وصناعة الخبر ومتابعته وفق أصول المهنة، لتأتي السوشيال ميديا في بداية الألفينيات وتُغير المهنة من نقل المعلومة إلى صناعة الحكاية (Storytelling).
وعندما تحولت البيانات إلى مواد جافة ومملة، بدأ الجميع استخدام المنصات الرقمية للسرد وصناعة التأثير، عبر لغة عاطفية، ورسائل جذابة، وصور وفيديوهات متقطعة، إلى جانب جرعات متزايدة من الدراما بحثًا عن التفاعل والترند.
ليتحول تدريجيًا المشهد إلى سباق أرقام، من لديه «شير» أعلى؟ من يملك متابعين أكثر؟
وفي الوقت الذي انشغل كثيرون بالضجيج ، كان هناك مجتمعًا آخر أكثر هدوءًا ، يعمل في صمت يقتنص الفرص ويصعد بثبات، إلى أن ظهر الذكاء الاصطناعي، ليصبح «الإبداع» والمتمثل في عدد من الأدوات على رأسها الكتابة، التصوير، الفيديو.. في متناول اليد، لنكنتشف الصدمة الحقيقية: أين البيزنس؟ أين الأثر؟ أين النتائج؟
ورغم الانفتاح الرقمي، وجدنا أنفسنا في مصر، معزولين جزئيًا عن العالم الحقيقي، لا سيما فيما يخص قدرتنا على التواصل المؤسسي والإنساني مع دوائر الأعمال الدولية، فارتفع الضجيج وتراجعت الجسور.
عودة الحكّائين.. لكن إلى قلب الاقتصاد
ومن هنا ظهرت فرصة جديدة لدور مختلف للعلاقات العامة، ليس عبر النكتة أو الترند، بل من خلال فتح الأبواب، ودمج المجتمعات، وصناعة منصات حقيقية للحوار والتعاون.
عاد مبدأ السرد مرة أخرى، ولكن هذه المرة كأداة اقتصادية وتنموية، منها سرديات مبنية على أرقام، وعلى تجارب حقيقية، وعلى أصوات رجال أعمال مصريين ودوليين.
وبحسب بيانات دولية، يسهم قطاع السياحة بنحو 12% من الناتج المحلي الإجمالي لمصر، ويوفر ملايين فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.
كما أن السائح الفاخر -رغم كونه يمثل شريحة أقل عددًا- يحقق عائدًا مضاعفًا مقارنة بالسياحة التقليدية، سواء في الإنفاق أو في تحسين صورة الدولة عالميًا. من هنا جاءت فكرة Narrative Summit:
منصة سنوية تجمع نحو 200 شخصية مصرية ودولية من صناع القرار، ورجال الأعمال، والمبدعين، وممثلي الدولة، لصياغة توصيات عملية في يوم واحد، وعلى مسرح واحد، تتحول بعده الأفكار إلى مسارات تنفيذ.
ويمثل قبول أحد أبرز رجال الأعمال المصريين عالميًا السير محمد منصور رئاسة مجلس إدارة القمة رسالة واضحة: السرد لم يعد ترفًا… بل أداة جذب استثماري.
من المتحف الكبير إلى وسط البلد: سرديات تتحول إلى مشروعات
من بين أبرز التوصيات التي خرجت عن هذه المنصات:
استثمار افتتاح المتحف المصري الكبير كنقطة انطلاق لتسويق مصر سياحيًا وثقافيًا واستثماريًا، في ظل توقعات بأن يكون من أكثر المشروعات الثقافية جذبًا للزوار عالميًا.
إعادة تخيّل الخريطة السياحية عبر مدن وتجارب جديدة في الأقصر وأسوان وواحة سيوة، كلٌ بطبيعته الفريدة.
تطوير قلب القاهرة- وسط البلد ليصبح مركزًا ثقافيًا وإبداعيًا وترفيهيًا، مع فتح المجال أمام الاستثمار الأجنبي المباشر والاستفادة من الخبرات الدولية.
التركيز على السياحة البيئية والمستدامة، التي تجذب زوارًا نوعيين مستعدين للاستثمار في تجارب طويلة الأمد.
استهداف السائح الفاخر، ليس فقط للعائد المباشر، بل لما يحمله من أثر على صورة الدولة والمجتمع.
القاسم المشترك؟
الانتقال من الترويج إلى صناعة القيمة.
الخلاصة: السرد عاد… ولكن لمن؟
عدنا إلى الـ Storytelling، نعم.
لكن هذه المرة:
من يستمع؟ الدولة المصرية
من يشارك؟ كبار رجال الأعمال وصناع القرار
من المستفيد؟ مصر
لم نعد مجرد منظمي فعاليات، ولا صناع دراما رقمية.
أصبحنا -كمجتمع- جزءًا من الحكاية نفسها، ومسؤولين عن نتائجها.
فمصر لا تُختصر في معلم، ولا تُعرّف في صورة.
هي قصة تُروى في التفاصي.
وكلما رُويت بصدق، جاء العالم إليها.
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.




