
يقول جمال المحاميد، الرئيس التنفيذي لشركة بالميرا لحلول التكنولوجيا، في تصريحات لـCNN الاقتصادية، إن أهمية مضيق هرمز تبرز في الاقتصاد الرقمي كونه جزءًا محوريًا من نظام عالمي مترابط، تمر عبره كابلات تربط ما لا يقل عن 40 دولة بين آسيا وإفريقيا مرورًا بالخليج، وأي انقطاع فيها لا يوقف الإنترنت، بل يُجبر البيانات على سلوك مسارات أطول، ما يرفع زمن الاستجابة والتكلفة عالميًا نتيجة الضغط على الشبكات البديلة.
ويضيف المحاميد أن هذا الاختناق يظهر سريعًا في القطاعات الأكثر حساسية للوقت كالقطاع المالي، والمطارات، والخدمات السحابية التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، حيث تتحول ثوانٍ من التأخير إلى خسائر مباشرة.
وبالحديث عن الحل، يقول الرئيس التنفيذي لشركة بالميرا لحلول التكنولوجيا، إن الحل لا يكمُن في مسار واحد بديل، بل في تنويع المسارات برًا وبحرًا. فبينما قد تتجاوز تكلفة إنشاء كابل بحري جديد 300 مليون دولار ويستغرق سنوات، يمكن للمسارات البرية نحو البحر المتوسط عبر سوريا أن تشكل خيارًا أقل تكلفة، وتعزز التكامل الاقتصادي والرقمي في المنطقة، مع تكلفة تقديرية تقارب 50 مليون دولار لكل ألف كيلومتر، عدا التكاليف التأمينية والتشغيلية، كما تبقى الأقمار الصناعية حلًا جزئيًا للطوارئ، لكنها لا توفر السعات اللازمة لاقتصاد رقمي كثيف البيانات.
ما هي كابلات الإنترنت البحري المارة عبر هرمز؟

الكابلات البحرية القائمة والمخطط لها في الخليج (telegeography)
ما هي الدول الأكثر تضرراً من تعطل الكابلات البحرية في هرمز؟
وتؤكد تيلي جيوغرافي أن أوروبا وآسيا لا تعتمد في الأساس على هرمز كمسار رئيسي، لأن كابلات الربط بين القارتين تمر عبر البحر الأحمر على مسافة تقارب 900 ميل من المضيق.
الإمارات الأفضل في حالة تعطل كابلات هرمز
وتقول شركة بيانات الاتصالات الأميركية إن الإمارات وضعها أفضل نسبياً؛ لأن جزءاً مهماً من كابلاتها البحرية يتم في الفجيرة على بحر عُمان، وهو ما يمنحها أفضلية جغرافية مقارنة بالكابلات البحرية الواقعة داخل الخليج نفسه.
وتظهر البيانات التنظيمية القُطرية مدى كثافة البنية التحتية، فحتى عام 2024 كان لدى عُمان 14 كابلاً قائماً و4 مخططة، ولدى الإمارات 17 كابلاً قائماً و3 مخططة، ما يعني أن دولة الإمارات وسلطنة عُمان تملكان تنوعاً أعلى في المسارات من بعض جيرانهما الخليجيين.
التهديد ليس في قطع الإنترنت بل في إصلاحه
وترى شركة تيلي جيوغرافي أن التهديد الحقيقي لا يكمن فقط في القطع، بل في طول زمن الإصلاح، حيث إن أعطال الكابلات شائعة عالمياً، بحدود 200 حادث سنوياً وفق بيانات اللجنة الدولية لحماية الكابلات، لكن في بيئة نزاع، الإصلاح يصبح أعقد بكثير، فسفن الصيانة تحتاج إلى تصاريح للدخول، وتبقى ثابتة فوق موقع العطل أثناء العمل، ما يجعلها مكشوفة.
وفي الخليج تتولى شركة إي مارين (e-Marine) أعمال الإصلاح، ووفق شركة تيلي جيوغرافي كان داخل الخليج سفينة واحدة فقط من أصل خمس سفن تشغيلية، بينما البقية كانت في البحر الأحمر والمحيط الهندي.. وإذا أصبح مضيق هرمز غير قابل للوصول، فذلك يعني عملياً أن قدرة الإصلاح داخل الخليج تصبح شديدة المحدودية.
وبمجرد الحصول على هذه التصاريح، تستغرق عملية إرسال السفينة وإصلاح الكابل وإعادة دفنه ما لا يقل عن 40 يومًا، وتتراوح تكلفتها بين مليون وثلاثة ملايين دولار.
وتشير التأخيرات الكبيرة في إصلاح الكابلات المتضررة في البحر الأحمر خلال عامي 2024 و2025 إلى جدول زمني أطول بكثير لإصلاح الأضرار.

الخطر الأكبر ليس في قطع الكابلات بل في مدة إصلاحها (شترستوك)
كم تقدّر الخسائر الاقتصادية المحتملة حال قطع الإنترنت عبر هرمز؟
تشير دراسة أعدتها شركة ديلويت (Deloitte) للأبحاث لصالح (Global Network Initiative) إلى أن الخسارة الاقتصادية اليومية من قطع كابل واحد فقط في هرمز ستكون غالباً في نطاق 2 إلى 8 ملايين دولار يومياً على مستوى الاقتصادات الخليجية الأكثر تعرضاً مباشرة، أي البحرين وقطر والكويت مع أثر جزئي على الإمارات.
وقدّرت الدراسة أن خفض سرعة الإنترنت 30% يساوي في المتوسط 0.09% من الناتج اليومي، وخفضها 50% يساوي 0.15% من الناتج اليومي في الاقتصادات عالية الاتصال.
وإذا تعطل كابلان أو أصيبت محطة هبوط رئيسية، تقدّر الخسائر في نطاق 8 إلى 20 مليون دولار يومياً؛ السبب أن (TeleGeography) توضح أن دول الخليج لا تعتمد 100% على كابلات هرمز، لكنها تحذر أيضاً من أن السعات البرية قد لا تكون كافية لتحمّل إعادة توجيه كامل الحركة إذا تضررت الأنظمة البحرية في الخليج.
وعند هذه المرحلة لا يعود الأثر مجرد تباطؤ عام، بل يبدأ التحول إلى تعطيل جزئي للتطبيقات الحساسة، وتزايد فقدان الجلسات، وصعوبة في ضمان استمرارية خدمات الأعمال العابرة للحدود.
وفي حالة السيناريو الأصعب، وهو خروج الكابلات الثلاثة العابرة لهرمز مع تعذر الإصلاح السريع، فالتقديرات تشير إلى ارتفاع حجم الخسائر لتتراوح بين 25 إلى 50 مليون دولار يومياً في الاقتصادات الأربعة المذكورة وحدها، وقد يقترب من 60 مليون دولار يومياً إذا امتدت الارتدادات بشكل أوسع إلى السعودية أو إلى تدفقات الأعمال الإقليمية المرتبطة بمراكز البيانات في الإمارات، بحسب دراسة ديلويت التي تقدر أثر الإغلاق الكامل في الاقتصادات عالية الاتصال عند 1.9% من الناتج اليومي، وإلى متوسط 23.6 مليون دولار يومياً لكل 10 ملايين نسمة في الدول عالية الاتصال.
وبما أن سكان البحرين وقطر والكويت والإمارات مجتمعين يقاربون 20.3 مليون نسمة بحسب أحدث بيانات البنك الدولي، فإن التقدير السكاني يعطي خسارة يومية تقارب 48 مليون دولار في حالة تعطّل شديد واسع النطاق، وهو رقم قريب جداً من التقدير المحسوب كنسبة من الناتج اليومي.
الاستثمارات العربية والإفريقية في كابلات الإنترنت البحرية والبرية
تُشكل الكابلات المسار المادي لمراكز البيانات ومستخدمي الإنترنت في دول الخليج للتواصل خارج المنطقة، حيث تحتاج الدول إلى الكابلات لتقديم خدمات الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية للعملاء محليًا وعالميًا.
وتتوفر بالفعل شبكة كابلات بحرية كبيرة على المستوى الإقليمي، إلا أن مسارات الكابلات تخضع لنفس التركيز الجغرافي والتأثير الجيوسياسي حول قناة السويس وباب المندب ومضيق هرمز، كما هي الحال في أشكال التجارة الأخرى.
وتستثمر مجموعة إس تي سي (stc) السعودية، المملوكة بأغلبية أسهمها لصندوق الاستثمارات العامة السعودي، 800 مليون دولار في مشروع سيلك لينك (SilkLink)، وهو عبارة عن شبكة كابلات ألياف ضوئية بطول 4500 كيلومتر (2796 ميلاً)، ومحطات إنزال كابلات بحرية، والعديد من مراكز البيانات في سوريا.
وتهدف شركة أوريدو (Ooredoo) القطرية إلى إنشاء مشروع (Fibre in the Gulf – FIG)، وهو ممر كابلات بتكلفة 500 مليون دولار، يبدأ من خليج عُمان، ويمر عبر مضيق هرمز، ثم براً عبر العراق وتركيا وفرنسا.
ويُموّل تحالف وورلد لينك (WorldLink) الإماراتي العراقي مشروع كابل ألياف ضوئية هجين بتكلفة 700 مليون دولار، لمدّ كابل من الإمارات إلى شبه جزيرة الفاو العراقية، ثم عبر العراق إلى تركيا.
وتعمل شركة (WIOCC)، المملوكة جزئيًا لـ14 شركة اتصالات إفريقية، على بناء مشروع (Gulf2Africa – 2Africa)، الذي يُتوقع أن يوفر خدمة الإنترنت فائق السرعة لثلاثة مليارات شخص.




