

مع تزايد انتشار الذكاء الاصطناعي وتطبيقه في دول مجلس التعاون الخليجي، تجاوزت المؤسسات في المنطقة مرحلة اختباره فقط لتتوجه نحو المدى المحتمل لدمج هذه الأنظمة في العمل اليومي. تشير نتائج دراسة أجرتها مؤسسة ماكينزي إلى أن 84% من مؤسسات دول مجلس التعاون الخليجي قد اعتمدت الذكاء الاصطناعي في وظيفة واحدة على الأقل، مما يدل على معدّل النشر الكبير الذي تشهده المنطقة. إلا أن التحول الأهم يكمن في المجالات التي تُحقق فيها هذه التقنية قيمة ملموسة.
لقد بدأ الذكاء الاصطناعي بالعمل ضمن سير العمليات المؤسسية، حيث يُمكننا الآن قياس إنتاجيته وتكلفته وسرعته وجودة خدماته وأطر حوكمته، بما في ذلك العمليات والمعايير والضوابط التي تساعد في ضمان أن تكون أنظمة وأدوات الذكاء الاصطناعي آمنة وأخلاقية. يشير هذا التحول العملي إلى أنّ تقييم الذكاء الاصطناعي أصبح يعتمد بشكل أقل على حداثته، وأكثر على قدرته على تقليل العمل اليدوي، وتحسين أوقات الاستجابة، ودعم التنفيذ الأفضل في مختلف المؤسسات.
مجالات استخدام الذكاء الاصطناعي
يكتسب استخدام الذكاء الاصطناعي انتشاراً متزايداً في مشهد الوظائف المنظمة ذات الحجم الكبير، حيث يُمكنه تخفيف عبء التنسيق ومنح الموظفين قدرة أكبر على الإنتاج بمهارة وكفاءة أكثر. تشير أبحاث أسانا إلى أنّ نحو 60% من الوقت يُقضى في الأعمال الروتينية، مثل متابعة التحديثات، وحضور اجتماعات غير ضرورية، والتنقل بين الأدوات.
تستخدم فرق خدمة العملاء الذكاء الاصطناعي لمعالجة وتوجيه الاستفسارات آلياً، وإدارة التصعيد، وتقديم الدعم متعدد اللغات، بينما تُطبّق فرق العمليات الذكاء الاصطناعي في معالجة الطلبات، وتنسيق سير العمل، ومراقبة الاتفاقيات المرتبطة بالارتقاء بمستوى الخدمة.
وفي الموارد البشرية، يدعم الذكاء الاصطناعي فرز السير الذاتية، وجدولة المقابلات، وتنسيق عملية التوظيف. أما في الشؤون المالية، فيُستخدم الذكاء الاصطناعي في معالجة الفواتير، والمطابقة، واكتشاف الحالات الشاذة. كما تُطبّق فرق المبيعات الذكاء الاصطناعي في تأهيل العملاء المحتملين، ومتابعتهم، وتحسين إدارة علاقات العملاء، وتحديثات خطوط المبيعات.
فضلاً عن ذلك، تعمل الحكومات في المنطقة على إعداد القوى العاملة لهذا الواقع، فقد أطلقت دبي الرقمية مؤخراً برنامجاً طموحاً تحت عنوان “برنامج الذكاء الاصطناعي (+AI)“، بهدف تدريب وتمكين 50,000 موظف في حكومة دبي بالمهارات والمعارف اللازمة لاعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي وتوظيفها في تطوير الخدمات الحكومية والعمليات المؤسسية.
ثلاث مراحل لتطور الذكاء الاصطناعي في القوى العاملة
يمكننا فهم استخدامات الذكاء الاصطناعي في مختلف مجالات العمل من خلال ثلاث مراحل؛ أولاً، يعمل الذكاء الاصطناعي كمساعد من خلال أدوات مثل الطيارين المساعدين، وواجهات الدردشة، وأدوات التلخيص، والصياغة، والبحث، والاستشارات، مما يُحسّن إنتاجية الأفراد.
ثانياً، يعمل الذكاء الاصطناعي كمُشغّل يُنجز مهاماً مُحددة عبر أنظمة إدارة علاقات العملاء، والموارد البشرية، والمالية، وخدمة العملاء، والعمليات، ضمن حدود مُحددة.
ثالثاً، يتطور الذكاء الاصطناعي ليصبح طبقةً أساسيةً في منظومة القوى العاملة، حيث تُسند للأنظمة أدوار، ومؤشرات أداء رئيسية، وحقوق وصول، وآليات تصعيد، وضوابط حوكمة. في هذه المرحلة، تعمل فرق الذكاء الاصطناعي المستقلة كموظفين رقميين مُدارين، يُساعدون في هيكلة العمل، وتوزيع المهام، ومراقبته، وتحسينه.
كيف تعمل تطبيقات الذكاء الاصطناعي الناضجة
لا يحل الذكاء الاصطناعي محل الوظائف بالكامل، بل يُعيد هيكلة العمل من خلال تولي المهام المتكررة ضمن الأدوار. نتيجة لذلك، تتحول الفرق البشرية نحو الإشراف، ومعالجة الاستثناءات، واتخاذ القرارات، وإدارة التصعيد، ومراقبة الجودة.
تعمل فرق الذكاء الاصطناعي المستقلة كنُظم مُنسقة وليست نماذج مُستقلة، فهي تدعم القوى العاملة البشرية من خلال إجراءات قائمة على الأدوار مرتبطة بمسؤوليات محددة، مع وصول منظم إلى أنظمة المؤسسة، وحدود واضحة لاتخاذ القرارات، ومستويات استقلالية مضبوطة، ومسارات تصعيد بشرية، ومقاييس الأداء، وقابلية التدقيق، والحوكمة.
من الأدوات إلى بنية القوى العاملة
قبل التوسع في استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي المستقلة، يحتاج المديرون التنفيذيون إلى رؤية واضحة لعملية صنع القرار، والمساءلة، وضوابط المخاطر، ونقاط التدخل البشري. يزداد مستوى الثقة عندما تكون مكاسب الإنتاجية قابلة للقياس وعندما تكون الحوكمة شفافة. وفقاً لمُخرجات بحث أجرته مؤسسة آي بي أم، شهد 77% من كبار القادة في الإمارات العربية المتحدة مكاسب إنتاجية كبيرة بفضل الذكاء الاصطناعي، مما يعكس الثقة المتزايدة في قيمته التشغيلية.
في جميع العمليات التي تبنت حلول “شفرة”، أسهمت فرق الذكاء الاصطناعي المستقلة في توفير أكثر من مليوني ساعة عمل يدوية شهرياً في سير العمليات التشغيلية، وأفادت المؤسسات بانخفاض التكاليف التشغيلية بنسبة تصل إلى 80%، وأصبح بإمكان فرق خدمة العملاء إدارة ما يصل إلى خمسة أضعاف الاستفسارات، كما يمكن تقليص دورات التوظيف في الموارد البشرية التي كانت تستغرق أسابيع إلى ساعات.
طبقة القوى العاملة المستقبلية
تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي برغبة قوية في تبني الذكاء الاصطناعي، إلا أن العديد من المؤسسات لا تزال بحاجة إلى إعادة تصميم سير العمل وتجاوز الأنظمة القديمة المجزأة قبل أن تتمكن فرق الذكاء الاصطناعي من العمل كجزء من العمليات اليومية.
وفي الختام، تتمحور المرحلة التالية من الذكاء الاصطناعي حول بناء طبقة قوى عاملة مُدارة يعمل فيها البشر وفرق الذكاء الاصطناعي المستقلة معاً وبوضوح ومساءلة لتحقيق أثر ملموس.
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.




