

مستقبل الاقتصاد العالمي بين فكي الركود التضخمي والأزمات الجيوسياسية المركبة: هل نواجه أزمة اقتصادية ومالية مركبة أشد قسوة من 2008؟
يمر الاقتصاد العالمي بمرحلة انتقالية حرجة تعد الأشد تعقيداً منذ عقود، حيث تلاشت الخطوط الفاصلة بين السياسة والاقتصاد، ليدخل العالم حقبة ممتدة من التقلبات وعدم اليقين طويل المدى. إن المشهد الراهن، المحكوم بالصراعات الجيوسياسية المشتعلة كالحرب الأمريكيه الإيرانية وتداعياتها في الشرق الأوسط، جنباً إلى جنب مع صراع النفوذ المحتدم بين الولايات المتحدة والصين، يضع النظام المالي العالمي أمام اختبارات غير مسبوقة.
صدمات العرض و«شبح» الركود التضخمي
تجسد أول مظاهر هذه المرحلة في العودة القوية لصدمات العرض. فقد أدت الاضطرابات الأمنية في الممرات المائية الحيوية إلى قفزات حادة في تكاليف الشحن والنقل الجوي والبحري،
هذه البيئة التضخمية تتزامن مع تباطؤ في معدلات النمو، ما يثير مخاوف حقيقية من السقوط في فخ «الركود التضخمي» (Stagflation). وما يزيد الطين بلة هو وصول الدين العالمي إلى مستويات قياسية مرعبة تتجاوز 315 تريليون دولار (ما يعادل أكثر من 330% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي). هذا التراكم الضخم للدين، يرافقه ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل (حيث لامست سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات مستويات قياسية)، ما يرفع تكلفة الاقتراض ويضغط بقوة على الاستثمار طويل المدى، ولا سيما في القطاع العقاري الذي بدأ يشهد تباطؤاً ملحوظاً وتراجعاً في التقييمات.
معضلة سوق العمل ومأزق البنوك المركزية
في الظاهر، تبدو أسواق العمل العالمية متماسكة بمعدلات بطالة منخفضة شكلياً، لكن الشريحة الداخلية تشهد تحولاً هيكلياً خطيراً، يواجه العالم معضلة مزدوجة: تسارع شيخوخة المجتمعات في الدول المتقدمة، مقابل ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب في الدول النامية، مع اتساع فجوة عدم المساواة. يضاف إلى ذلك التبني المتسارع للذكاء الاصطناعي، الذي بدأ بإعادة تشكيل الوظائف مهدداً ملايين العمالة التقليدية.
هذا التشابك يضع البنوك المركزية في مأزق تاريخي؛ فالقواعد التقليدية مثل «قاعدة تايلور» (Taylor’s Rule) -التي تعتمد على تعديل الفائدة آلياً بناءً على مؤشرات التضخم وفجوة الإنتاج- لم تعد مجدية. إذا لجأت البنوك إلى تشديد السياسة النقدية ورفع الفائدة مجدداً لكبح التضخم الناجم عن صدمات العرض، فإنها ستعمق الركود، وتخفض الطلب الاستهلاكي، وتزيد من تكاليف المعيشة، هذا السيناريو قد يمتد ليحدث هزة عنيفة في الأسواق المالية عبر انفجار «فقاعة» استثمارات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي التي ضُخت فيها مئات المليارات، ما قد يولد أزمة مالية مركبة واهتزازاً في القطاع المصرفي يفوق في تعقيده أزمة عام 2008، نظراً لتشابك الديون السيادية مع ديون الشركات وضغوط الطاقة.
سيناريوهات المستقبل.. بين الحرب والدبلوماسية
إن استمرار هذا المشهد القاتم مرهون ببقاء الصراعات على حالها وشح المعروض من الطاقة ونفاذها في بعض الدول. ومع ذلك، فإن المعادلة قد تتغير بشكل جذري في حال تحقق السيناريو البديل: توقف الحرب، وتوقيع اتفاقية دبلوماسية شاملة بين الولايات المتحدة وإيران. هذا التحول من شأنه إعادة تدفق إمدادات الطاقة بسلاسة، وخفض تكاليف الشحن، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي الإقليمي والدولي، ما سيهدئ من روع الأسواق ويخفف الضغوط التضخمية.
نحو نموذج اقتصادي جديد
بغض النظر عن السيناريو الذي سيسود، فإن الحقيقة الثابتة هي أننا أمام مشهد اقتصادي عالمي جديد يتطلب فكراً مغايراً. لم يعد بإمكان الحكومات والبنوك المركزية الاعتماد على آليات السوق الحر البسيطة والسياسات النقدية أحادية البُعد.
إن الحاجة ملحة اليوم لتبني سياسات اقتصادية أكثر استراتيجية وعمقاً وبعيدة المدى؛ سياسات تعتمد على تخطيط مركب وموجه على مراحل، تشبه في مرونتها وعمقها طريقة إدارة الاقتصاد الصيني -الذي يمزج بين كفاءة الرأسمالية وتوجيه المركزية- لحماية سلاسل التوريد وتحقيق الأمن الغذائي والمائي وتحفيز الاستثمارات الحقيقية بعيداً عن تقلبات الأموال الساخنة.
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.




