شؤون عربية ودولية

الاقتصاد العالمي وحصار الديون : CNN الاقتصادية



تُعتبر العلاقة بين الديون والتنمية الاقتصادية من أكثر القضايا تعقيدًا في الفكر الاقتصادي المعاصر، فالديون ليست «مقبرة» بالضرورة في حد ذاتها، بل تعتمد النتيجة على كفاءة التوظيف والاستدامة، ولكنها تظل إحدى أهم الإشكاليات الاقتصادية في العصر الحديث، ويرى الكثير أن الأصل هو التمويل الذاتي وفقًا للإمكانات المتاحة، وليس الاقتراض.

عند الحديث عن الديون، يجب التفرقة بين مستويات فلسفة الديون: «الأفراد- المؤسسات- الدول»، كما يجب تصنيف الديون بشكل عام إلى ديون سيئة وديون مقبولة، وهنا يكون المعيار هو الحكم على جودة الإنفاق، فهناك ديون لتمويل التنمية أو للمساعدة في توليد تدفق نقدي، وهناك ديون لتمويل مصروفات تشغيلية تساعد في استمرار أزمة الديون.

فكرة أذون الخزانة

كانت البداية الحقيقية في بريطانيا، عندما تم استخدام أول نظام منظّم لأذون الخزانة في المملكة المتحدة في القرن السابع عشر، وتحديدًا عام 1694 مع تأسيس بنك إنجلترا، حيث أصبح البنك يدير الدين الحكومي، أما الطفرة الحقيقية فقد حدثت في الولايات المتحدة عام 1917.

كروت الائتمان والأفراد

ظهرت فكرة الائتمان بشكلها الحالي عام 1950 من خلال إصدار بطاقة Diners Club، والتي كانت مقصورة على عدد محدود للغاية من المحال التجارية. وقد ظهرت هذه الفكرة بعد القصة الشهيرة التي تعود إلى رجل الأعمال الأميركي فرانك ماكنامارا، والذي يُقال إنه ذهب إلى مطعم في نيويورك عام 1949، واكتشف أنه نسي محفظته، فظهرت لديه فكرة ضرورة إيجاد وسيلة لدفع النقود دون حملها في المطاعم. وتم تطبيق الفكرة مع عدد محدود جدًا من الأفراد، ثم تطورت حتى تبلورت وأصبح لها بنوك ومؤسسات وبنية تحتية منظمة.

واليوم تشير بعض التقديرات الحديثة، وفقًا لتقرير نيلسون المتخصص في البنوك والكيانات المالية، إلى أن عدد كروت الائتمان عالميًا يبلغ نحو 3 إلى 4 مليارات كرت، بنسبة تقترب من 50% من إجمالي عدد سكان العالم حاليًا، كما أن هناك تقديرات حول إجمالي ديون بطاقات الائتمان، والتي تتجاوز 1.2 تريليون دولار في الولايات المتحدة الأميركية فقط، وذلك وفقًا لبيانات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.

لا يوجد نظام عالمي عادل لإعادة هيكلة الديون، حيث تشير بعض تقديرات معهد التمويل الدولي (IIF) إلى أن إجمالي الديون العالمية تجاوز 315 تريليون دولار خلال عام 2024، وهو رقم يعادل ما يقرب من ثلاثة أضعاف الناتج الاقتصادي العالمي تقريبًا.

ديون الحكومات

تمثل ديون الحكومات الجزء الأكبر من إجمالي الديون، حيث تشكل نحو 40% إلى 45% من الإجمالي، أي ما يقارب 120 إلى 135 تريليون دولار، وتذهب هذه الديون إلى بنود إنفاق تُستخدم غالبًا في تمويل العجز، ودعم الطاقة والغذاء، والإنفاق الاجتماعي، ومصروفات الحروب وتمويل حل الأزمات.

هذا بالإضافة إلى ديون الشركات والمؤسسات، والتي تمثل نحو 30%، وفي النهاية تأتي ديون الأفراد، والتي تمثل نحو 25% إلى 30%، أي نحو 75 إلى 90 تريليون دولار.

نماذج من التعثرات الحكومية

هناك نماذج متعددة في التاريخ الحديث عن تخلف بعض الدول والشركات عن سداد التزاماتها المالية، ويُعتبر النموذج اليوناني من أبرز الأمثلة المهمة للغاية على مخاطر التوسع في الديون العامة، حيث تجاوز الدين العام اليوناني في عام 2010 نحو 330 مليار يورو، وقد بلغت نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي نحو 115% في عام 2009، ووصلت إلى أكثر من 140% في عام 2010، وفقًا لتقرير صادر عن البرلمان الأوروبي آنذاك.

كما اعترفت الحكومة اليونانية الجديدة بأن الحكومات السابقة تلاعبت بالبيانات الإحصائية الخاصة بعجز الموازنة والدين، وذلك لمطابقة شروط الانضمام إلى منطقة اليورو، وقد تسبب ذلك في حالة من عدم الثقة في الاقتصاد اليوناني، حتى تدخل الاتحاد الأوروبي بحزم اقتصادية لإنقاذ الاقتصاد اليوناني.

طرق السداد والدول النامية

في بعض الدول، تبتلع فوائد الدين وحدها نحو 40% أو 50% من الإيرادات العامة، وهو ما يؤدي إلى تقليص بنود التعليم والصحة، ويؤثر بشكل عام على جودة تمويل التنمية الاقتصادية، سواء من حيث تعطيل خطط التنمية أو من حيث عدم وجود تمويل من الأساس.

الفائدة المنخفضة بشكل عام تُشجّع الاقتراض، بينما الفائدة المرتفعة تُفجّر أزمات الديون، وبالنظر إلى تطور أسعار الفائدة عالميًا بين عامي 2009 و2021، نجد أن الفائدة في الدول المتقدمة لم تكن تتعدى 1%، بل وكانت هناك معدلات فائدة صفرية.

وفي معظم الحالات، يمكن القول إن النمو أقل من تكلفة الدين، وبالتالي فإن الاقتصاد لا يتطور بالسرعة الكافية لتسديد الديون.

الإشكالية الحقيقية هي أن الديون أصبحت القاعدة وليست الاستثناء، فالدول النامية تواجه إشكاليات عدة، أولها أن شراء الكثير من السلع يتم من خلال العملة الصعبة، والإشكالية الأخرى هي الديون نفسها، مع عدم إغفال تأثير معدلات التضخم العالمية، ومعالجة كبرى البنوك المركزية لها من خلال زيادة أسعار الفائدة. كما أنه، بلا شك، قد يتم تسييس الديون من قبل الدول المقرضة لفرض سيطرة اقتصادية أو سياسية.

في النهاية، ووفقًا للنظام الدولي الحالي والمصالح السياسية المعقدة، لا يوجد أي أفق قريب لإصلاح أزمة الديون، وخصوصًا بالنسبة للدول النامية. ولذلك، لا بد من حلول داخلية لهذه الدول، كما يجب وضع معايير محددة وصارمة للحصول على القروض من قبل الحكومات، بالإضافة إلى إصلاح هيكل الديون الحالي من خلال المفاوضات، سواء بالسداد السريع قدر الإمكان، أو بإطالة أمد الدين الحالي، أو إسقاط جزء من الديون، أو تخفيض نسب الفائدة.

ويمكن القول إن أزمة الديون لم تعد مجرد أرقام في تقارير المؤسسات الاقتصادية الدولية، بل أصبحت ثقافة اقتصادية تؤثر على مستوى معيشة الأفراد والدول، وعلى مستقبل الأجيال القادمة.

تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى