

مئة يوم مرت على اندلاع الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران، ومئة يوم أخرى يعيش خلالها العالم على وقع واحدة من أخطر الأزمات الجيوسياسية والاقتصادية في العقود الأخيرة.
وخلال هذه الفترة، انهمرت الدموع على طهران من أطراف عديدة، بينما تجاهل كثيرون حقيقة بسيطة تقول إن الخاسر الأكبر لم يكن إيران العنيدة، بل الاقتصاد العالمي بأسره.
فالحديث هنا لا يدور حول معركة تقليدية بين دولتين، بل حول صراع اندلع في أكثر المناطق حساسية بالنسبة للطاقة والتجارة العالمية، فمنطقة الخليج العربي ليست مجرد مساحة جغرافية على الخريطة، بل هي شريان اقتصادي يغذي العالم بالنفط والغاز والمواد الخام الأساسية.
ولعل السؤال الأهم هو: لماذا اهتز العالم كله بسبب هذه الحرب؟
الإجابة تكمن في مضيق هرمز.
ورغم أن الدولتين المطلتين مباشرة على المضيق هما إيران وسلطنة عُمان فقط، فإن ثماني دول خليجية تعتمد عليه بوصفه الممر البحري الرئيسي لصادراتها ووارداتها، هي: السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين والعراق، إلى جانب إيران وعُمان.
لكن أهمية المضيق لا تتوقف عند حدود المنطقة، فالأرقام تكشف أن ما بين 25 و30% من تجارة النفط العالمية تمر عبره، إضافة إلى نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال، وهذا يعني ببساطة أن أي اضطراب في هذا الممر الحيوي يتحول فورًا إلى أزمة عالمية في الطاقة.
وخلال المئة يوم الماضية، حدث ذلك بالفعل، فبحسب تقديرات دولية، ارتفعت أسعار النفط بنحو 50% منذ اندلاع الحرب، بعد تعرض إمدادات النفط والغاز لاضطرابات حادة، وتزايد المخاوف من اتساع نطاق الصراع واستهداف البنية التحتية للطاقة في المنطقة.
قد يبدو الرقم مجرد نسبة مئوية على الورق، لكنه في الواقع يعني وقودًا أكثر تكلفة، وكهرباء أعلى سعرًا، ونفقات تشغيل أكبر للمصانع، وفواتير معيشية أثقل على الأسر في مختلف أنحاء العالم.
وإذا كان النفط هو العصب الرئيسي للاقتصاد العالمي، فإن الأسمدة تمثل أحد أهم أعصابه الخفية.
فما يقرب من ثلث تجارة الأسمدة العالمية يمر عبر مضيق هرمز. ومع تعطل حركة الشحن وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، بدأت المخاوف تتزايد بشأن قدرة الأسواق على توفير احتياجاتها الزراعية بالأسعار المعتادة.
والنتيجة كانت واضحة: ارتفاع أسعار الغذاء في العديد من الأسواق، وتزايد الضغوط على الدول المستوردة للغذاء، خصوصًا الدول النامية والفقيرة.
وهنا تظهر مفارقة مؤلمة، ففي الاقتصادات المتقدمة لا تتجاوز حصة الغذاء نحو 9% من إنفاق الأسرة في المتوسط، بينما ترتفع هذه النسبة إلى نحو 20% في الاقتصادات الناشئة، وتقفز إلى 36% في الدول منخفضة الدخل.
لذلك فإن أي زيادة في أسعار الغذاء لا تمثل عبئاً عابراً على الفقراء، بل تهديدًا مباشراً لمستويات المعيشة والاستقرار الاجتماعي.
ولم تكن الطاقة والغذاء وحدهما ضحايا الحرب، فسلاسل الإمداد العالمية تعرضت لاضطراب واسع النطاق، السفن اضطرت إلى تغيير مساراتها، وشركات التأمين رفعت رسومها، وتضاعفت المخاطر التجارية، كما تضررت حركة الطيران والسياحة العالمية، ما أضاف أعباء جديدة على الاقتصاد العالمي.
ولأن الاقتصاد الحديث يقوم على الترابط، فقد امتدت التداعيات إلى قطاعات لا يتخيلها كثيرون، فدول الخليج توفر جزءاً كبيراً من احتياجات العالم من غاز الهيليوم المستخدم في الصناعات الدقيقة وأشباه الموصلات والأجهزة الطبية، كما أن اضطراب التجارة في المنطقة أثر على سلاسل توريد العديد من المعادن والمواد الخام الضرورية للصناعة الحديثة.
وفي الوقت نفسه، دخلت الأسواق المالية مرحلة جديدة من القلق، فقد ارتفعت عوائد السندات الحكومية، وتراجعت شهية المستثمرين للمخاطرة، وازدادت تقلبات أسواق المال، أما الدول المثقلة بالديون، فقد وجدت نفسها أمام تحديات أكبر في تمويل احتياجاتها وسداد التزاماتها.
والأخطر من كل ذلك أن الحرب أعادت التضخم إلى الواجهة العالمية من جديد.
فبعد سنوات من محاولات البنوك المركزية السيطرة على الأسعار، جاءت الحرب لتشعل موجة جديدة من الضغوط التضخمية، وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن استمرار الصراع قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم العالمية بما يتراوح بين 200 و300 نقطة أساس.
أما النمو الاقتصادي العالمي، فقد يكون الضحية التالية، فوفق تقديرات البنك الدولي، قد يتراجع النمو العالمي بما يتراوح بين 3 و4 نقاط مئوية إذا استمرت تداعيات الحرب لفترة طويلة. وهي أرقام ضخمة تعني تباطؤ الاستثمارات، وانخفاض فرص العمل، وتراجع مستويات الدخل في العديد من الدول.
لهذا فإن السؤال الحقيقي بعد مرور 100 يوم على الحرب ليس: من انتصر ومن انهزم؟ السؤال الأهم هو: من الذي يدفع الثمن؟
والإجابة واضحة في الأرقام، أسعار نفط ارتفعت 50%، و30% من تجارة النفط العالمية أصبحت رهينة التوترات، و20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال تواجه مخاطر مستمرة، وثلث تجارة الأسمدة العالمية تعرض للاضطراب، وتضخم مرشح للارتفاع بمقدار 300 نقطة أساس، ونمو عالمي مهدد بفقدان ما يصل إلى 4 نقاط مئوية.
هذه ليست أرقامًا تخص إيران أو الولايات المتحدة أو إسرائيل فقط، إنها أرقام تخص كل مواطن يدفع ثمن الوقود، وكل أسرة تشتري الغذاء، وكل مصنع يبحث عن المواد الخام، وكل دولة تحاول حماية اقتصادها من عاصفة لا تزال تداعياتها مستمرة.
بعد 100 يوم من الحرب، قد تختلف المواقف السياسية، وقد تتباين الحسابات العسكرية، لكن هناك حقيقة واحدة لا يختلف عليها أحد: عندما يشتعل مضيق هرمز، يدفع العالم كله الفاتورة.
وهذا ما تؤكده لغة لا تعرف المجاملة ولا الأهواء ولا الانحياز ألا وهي لغة الأرقام.




