شؤون عربية ودولية

من التمويل إلى التخارج.. اختبار نضج جديد لمنظومة الشركات الناشئة : CNN الاقتصادية



في وقتٍ يشهد فيه العالم إعادة هيكلة شاملة، تتخذ المنطقة مسارًا مختلفًا فيما يتعلق بهذا النوع من المشاريع.. فعلى مدار العامين الماضيين، مرّ قطاع الاستثمار الجريء عالميًا بمرحلة إعادة ضبط على نطاق واسع؛ إذ أصبح تمويل المشاريع أكثر انتقائية، وعادت التقييمات إلى مستوياتها الطبيعية، بينما ازداد تركيز المستثمرين على تحقيق الربحية، وتعزيز الحوكمة، وضمان استدامة النمو على المدى البعيد.

وفي ظل هذه المتغيرات، واصل الشرق الأوسط تسجيل زخمٍ ملحوظ في أنشطة رأس المال الجريء، ولا سيما في كل من دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. وهذا يدفعنا إلى طرح سؤال مهم: هل المنطقة في بداية دورتها، أم أننا أمام تحول هيكلي أعمق بدأ يحدث بالفعل؟

الإجابة هي كلاهما.. إلا أن الأهم هو البحث في الأسباب التي تجعل هذه العوامل الهيكلية تبدو أكثر رسوخًا وقوة.

تعزيز المرونة بناءً على الأولويات الوطنية

بينما تتشكل منظومات الاستثمار الجريء عالميًا وفقًا لمتغيرات الأسواق المالية -كتقلبات أسعار الفائدة ودورات التمويل- يبرز الشرق الأوسط كنموذج مختلف؛ إذ تحوّل رأس المال الجريء فيه إلى ركيزةٍ جوهرية ضمن أجنداتٍ تنموية وطنية، وهو ما يغير الديناميكيات المحرّكة لهذا القطاع بشكلٍ ملحوظ.

وفي منطقة الخليج، بات الابتكار أداةً استراتيجية في صنع السياسات، وهو ما ينعكس بوضوح على القطاعات التي تحظى بالاهتمام. فمجالات التقنية المالية، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الرقمية، والتمويل المدمج، وتسهيل التجارة، ترتبط جميعها بأهداف التنويع الاقتصادي، ودعم نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة، فضلًا عن تعزيز أجندة الشمول المالي. ونظرًا لأن الاستثمارات في هذه القطاعات لا تستهدف تحقيق عوائد مالية فحسب، بل تحمل أبعادًا استراتيجية أيضًا، فإنها تتميز بقدر أكبر من الاستدامة والتأني مقارنةً بالاستثمارات التقليدية المرتبطة بالدورات المالية.

وفي هذا السياق، تتصدر الإمارات المشهد كمثال واضح؛ فوفقًا لاستراتيجية الاقتصاد الرقمي التي اعتمدها مجلس الوزراء، تضع الدولة هدفًا طموحًا يتمثل في مضاعفة مساهمة القطاع الرقمي في الناتج المحلي الإجمالي من 9.7% إلى 19.4% بحلول عام 2032. ويُعد مثل هذا الالتزام ركيزةً استراتيجية لا تتلاشى بمجرد تقلّبات الأسواق العالمية أو تغيّر اتجاهاتها.

ولا يختلف واقع تنمية المنشآت الصغيرة والمتوسطة عن هذا التوجه؛ إذ جعلت حكومات المنطقة من نمو هذا القطاع ركيزة أساسية في رؤاها الاقتصادية، مما يولد طلبًا مستدامًا على حلول التقنية المالية، وخدمات الإقراض الموجهة للشركات، ومنصات التمويل المدمج التي يجري تطويرها حاليًا.

إلا أن ذلك لا يجعل هذه المنظومة بمنأى عن التحديات العالمية، بل يمنحها أرضية أكثر صلابة؛ إذ تتجاوز الحوافز الداعمة لأنشطة الاستثمار الجريء أهداف الربحية (كالعوائد ربع السنوية) لتطال أهدافًا أكثر استراتيجية.

مرونة حقيقية في مواجهة التحديات

وهنا لا بد لي من توضيح نقطة مهمة، حين نشير إلى مرونة المنطقة، فإننا غالبًا نقصد متانة بيئة الأعمال فيها؛ فقد واصلت المنطقة تعزيز أطرها التنظيمية، مع التركيز في الوقت ذاته على صقل مهارات الكفاءات والمواهب بما يدعم أنشطة الاستثمار الجريء القابلة للنمو والتوسع.

مؤشر القياس التالي.. عمليات التخارج وبناء قيمة يمكن تكرارها

خلال السنوات العشر الماضية، ركّزت منظومة الأعمال على إثبات قدرتها على إنشاء شركات ناشئة. أما اليوم، فقد انتقل التركيز نحو الوصول إلى نماذج تجارية تحقق عوائد طويلة الأمد، وهو النقاش الذي باتت المنطقة بحاجة إلى طرحه.

ومن هنا تكتسب عمليات التخارج أهمية متزايدة؛ إذ تسهم في إعادة تدوير رأس المال، وبروز رواد أعمال ذوي خبرة، وتعزيز ثقة المستثمرين، بما يدعم استدامة هذه المنظومة.

ورغم ظهور بعض المؤشرات المبكرة في دول الخليج، فإن أنشطة التخارج المنتظمة والمؤثرة لا تزال في مرحلة التطور. ويُعدّ هذا المعيار أحد أبرز المؤشرات التي سيُقاس عليها أداء المنظومة خلال السنوات الخمس المقبلة.

بالنسبة لمؤسسي المشاريع، فإن هذا يحدد طبيعة العمل؛ فالمنظومة لا تحتاج إلى رأس المال فحسب، بل إلى خبراء يعملون جنبًا إلى جنب مع المؤسسين، ويدعمونهم في التوسع التشغيلي، وتعزيز الحوكمة، وصياغة الخطط الاستراتيجية.

الكفاءات والطموحات.. التحول نحو نطاق إقليمي وعالمي أوسع

لا بد لي من الإشارة إلى أنه من بين الجوانب التي لا تحظى بالتقدير الكافي في التحليلات الخارجية لمنظومة الأعمال في الشرق الأوسط، جودة الكفاءات وتنوعها؛ إذ يستفيد المؤسسون والمشغّلون من خبرات تمتد عبر أسواق وقطاعات ومناطق مختلفة، وهو ما لم يكن شائعًا بهذا القدر قبل عشر سنوات.

ينعكس هذا التنوع بوضوح على مستوى الطموحات؛ إذ تُبنى المشاريع اليوم بهدف المنافسة إقليميًا، بل وعالميًا في حالات متزايدة. لذا يُعد هذا التحول في الذهنية عاملًا حاسمًا في تحديد نوع الشركات التي نشهدها اليوم، وكذلك نوع رأس المال الذي يمكن أن تجذبه لاحقًا.

ومن هذا المنعطف، تحوّلت جهود تنويع القاعدة الاستثمارية، وجذب اهتمام المستثمرين العالميين، وبناء هياكل مؤسسية موثوقة، من اعتبارات ثانوية إلى أولويات أساسية لدى مختلف الجهات في القطاعين العام والخاص.

وضع الأسس لما سيأتي لاحقًا

تدخل منظومة الاستثمار الجريء في المنطقة اليوم مرحلة جديدة، بعد أن تجاوزت أغلب التحديات التأسيسية؛ إذ أصبح الوصول إلى التمويل أسهل، والبيئات التنظيمية أكثر نضجًا، كما باتت الكفاءات والمواهب حاضرة بقوة.

أما الخطوة التالية فهي التنفيذ؛ من خلال بناء مشاريع تخلق قيمة مؤسسية مستدامة، وإتمام صفقات تخارج تعزز مصداقية المنظومة، وضمان تحويل الطموح بالمنافسة عالميًا إلى واقع تجسّده شركات قادرة على المنافسة الفعلية.

ختامًا، لقد أُرسيَت دعائم منظومة الاستثمار الجريء، ويتجه التركيز اليوم إلى البناء على هذه الأسس لتحقيق مزيد من النمو في المراحل المقبلة.

 تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى