شؤون عربية ودولية

النفط الأميركي وأزمة هرمز.. كيف منعت الصادرات صدمة أكبر في السوق؟ : CNN الاقتصادية



في الأسابيع الأولى بعد اختناق مضيق هرمز، بدا كأن سوق النفط تتجه إلى واحد من تلك السيناريوهات التي تُكتب بعناوين حادة وأسعار أكثر حدة.

الحديث كان يدور حول نقص واسع في الإمدادات، وقفزة محتملة إلى 150 أو 200 دولار للبرميل، وسوق آسيوية قد تجد نفسها في قلب العاصفة من دون متنفس حقيقي. لكن ما كشفته بيانات أبريل الأميركية أعطى الصورة بُعداً مختلفاً.

الصدمة كانت كبيرة حقاً، غير أن السوق لم تتعامل معها كجسد عاجز؛ التجارة تحركت بسرعة، والمسارات تبدلت، والولايات المتحدة خرجت في لحظة حساسة بدور أكبر بكثير مما كان متوقعاً، بعدما قفزت صادراتها من النفط الخام والمنتجات المكررة بقوة واضحة.

هذه القفزة لا تعني أن الأزمة انتهت، ولا أن هرمز فقد ثقله داخل معادلة الطاقة العالمية. المعنى الأهم أن السوق وجدت طريقة لتوزيع الألم، بدل أن تتركه يتركز بالكامل في آسيا أو في خامات الخليج. وهذا هو السبب الأقرب لتفسير أمرين بديا متناقضين في البداية: اختناق واحد من أهم الممرات النفطية في العالم، مع بقاء الأسعار دون تلك المستويات الكارثية التي بُنيت عليها كثير من التوقعات المتشددة.

قفزة في الفائض النفطي الأميركي

الرقم الأكثر لفتاً في بيانات أبريل كان التحول الكبير في الميزان النفطي الأميركي. الفائض الشهري، أي الصادرات مطروحاً منها الواردات، ارتفع إلى 131 مليون برميل، بعد 65 مليوناً فقط في مارس.

هذا الانتقال لا يمكن التعامل معه كحركة عادية في بيانات شهرية.. نحن هنا أمام تغير واسع في اتجاه التدفقات، وفي قدرة الولايات المتحدة على لعب دور موازن في لحظة اختلال عالمي كبير.

أهمية هذا الرقم تتضح أكثر إذا وُضِع في سياق الخسارة التي خلّفها هرمز. النقص الناتج من تعطل المضيق كان يُقاس بعشرات الملايين من البراميل أسبوعياً، وبمئات الملايين شهرياً. وعندما تتمكن الولايات المتحدة من توسيع فائضها بهذا الحجم في شهر واحد، فإنها لا تسد الفجوة كلّها طبعاً، لكنها تمتص جزءاً معتبراً منها، وتمنح السوق وقتاً إضافيًاً ومساحة أوسع لإعادة ترتيب نفسها، وهذا بالضبط ما حدث في أبريل.

الخام هو القصة.. لا الاحتياطي الاستراتيجي وحده

القراءة السريعة لهذا الصعود قادت بعض المتابعين إلى تفسير جاهز: الاحتياطي النفطي الإستراتيجي، لكن الأرقام تقول إن القصة أوسع من ذلك. صادرات الخام الأميركية ارتفعت من 125 مليون برميل في مارس إلى 167 مليوناً في أبريل، أي بزيادة قدرها 42 مليون برميل خلال شهر واحد.

في المقابل، السحب من الاحتياطي الإستراتيجي خلال أبريل بلغ 17 مليون برميل فقط، والفارق بين الرقمين يكشف أن القفزة في الصادرات لم تكن مجرد انعكاس مباشر للإفراج الحكومي عن الخام، وإنما كانت أيضاً استجابة تجارية صريحة لتحول الأسعار والطلب العالمي.

هذا مهم جداً لأن السوق حين تتحرك بهذه الطريقة فإنها تؤكد أن آلية التجارة الدولية ما زالت تعمل بكفاءة أعلى مما كان يُعتقد في ذروة الخوف. الخام الأميركي تحرك أيضاً لسبب جوهري وهو أن الفارق السعري بين الأسواق صار مغرياً بما يكفي لجذب البراميل إلى حيث الحاجة أشد، وخصوصاً في آسيا.

آسيا دفعت أكثر.. فوجدت أميركا طريقها إلى السوق

إغلاق هرمز أصاب آسيا في عمقها. فهذه المنطقة تعتمد بدرجات متفاوتة على خامات الخليج ومساراتها البحرية، ومع ارتفاع الأسعار فيها، صار النفط الأميركي أكثر جاذبية حتى مع المسافة وكلفة النقل. هذا ما جعل الولايات المتحدة تتحول في أبريل إلى أحد أهم مصادر التوازن، لا لأنها تملك بديلاً كاملاً لخام الخليج، وإنما لأنها استطاعت أن توفر كميات إضافية في التوقيت الذي كانت فيه الأسواق الآسيوية الأكثر استعداداً للدفع.

النتيجة أن الضربة لم تبقَ محصورة في مكان واحد، وبدل أن تنفجر بالكامل داخل آسيا، جرى توزيعها عبر شبكة التجارة العالمية.

الدول التي تملك القدرة على الدفع بحثت عن بدائل، المنتجون خارج الخليج وجدوا حافزاً أعلى للتصدير، والسوق، بكل مرونتها ومضارباتها وخطوطها البحرية، قامت بما يفترض أن تقوم به في مثل هذه اللحظات: نقل البراميل إلى المكان الذي يطلبها أكثر.

المنتجات المكررة قوية.. لكن الخام صنع الفارق

صادرات المنتجات المكررة مثل البنزين ووقود الطائرات بقيت عند مستويات قياسية أيضاً، وهذا جزء مهم من الصورة.

لكن الدور الأميركي الأبرز في هذه المرحلة جاء من الخام، لا من المشتقات. فائض المنتجات المكررة ارتفع، غير أن التحول الأوضح بين مارس وأبريل حدث في ميزان الخام تحديداً. وهذا منطقي، لأن إعادة التوازن في صدمة بهذا الحجم تبدأ من البرميل نفسه، من الخام الذي يدخل المصافي ويعيد تغذية السلسلة من بدايتها، لا من المنتج النهائي فقط.

لهذا تبدو قراءة أبريل واضحة: الولايات المتحدة لم تكن مجرد مورّد إضافي للبنزين والديزل، وإنما كانت طرفاً رئيسياً في نقل جزء من البراميل الخام إلى السوق التي كانت تختنق أكثر من غيرها.

لماذا أخطأت رهانات 150 و200 دولار؟

لا يمكن إهمال التصريحات المتتالية حول المفاوضات التي تقلل بدورها فترة التوترات الجيوسياسية، إلّا أن السبب الأوضح أن تلك التوقعات بالغت في تقدير حجم الشلل، وقللت في المقابل من قدرة التجارة العالمية على الالتفاف حول الصدمة. كثير من الرهانات الصعودية بُنيت على فرضية أن إغلاق هرمز سيُترجم مباشرة إلى نقص متراكم وغير قابل للتخفيف السريع. ما أثبتته بيانات أبريل أن السوق لم تُلغِ الصدمة، لكنها نجحت في تفكيكها ونشرها على مساحة أوسع. وهذا فرق جوهري.

الأسعار ارتفعت، نعم. القلق كان حقيقياً، نعم. لكن العالم النفطي لم يقف مكتوف اليدين. الخام الكندي تحرك، والخامات اللاتينية وجدت مشترين أكثر، والولايات المتحدة ضخت صادرات أعلى بكثير. هذا كلّه لا يبدد خطورة هرمز، لكنه يفسّر لماذا لم تتحول الأزمة إلى انفجار سعري خارج السيطرة.

السوق أقوى مما بدا في البداية، لكن

الخلاصة التي تستحق التوقف عندها أن مرونة سوق النفط العالمية كانت أكبر من المتوقع. هذا لا يجعل الصدمة أقل خطورة، لكنه يجعل فهمها أدق. إغلاق هرمز ما زال حدثاً ثقيلاً، وسوق الطاقة ما زالت تعمل تحت ضغط واضح، لكن بيانات أبريل الأميركية تقول إن النظام العالمي لم يفقد قدرته على إعادة التوازن. والولايات المتحدة كانت جزءاً أساسياً من هذا التوازن، لا عبر الاحتياطي الإستراتيجي فقط، وإنما عبر استجابة تجارية واسعة جذبت الخام إلى الأسواق المحتاجة إليه أكثر.

في النهاية، ما من سوق تستطيع إلغاء الجغرافيا السياسية، لكنها تستطيع أحياناً أن تمنعها من التحول إلى كارثة كاملة. وهذا، حتى الآن على الأقل، هو ما فعلته تجارة النفط العالمية. وكلفة الوقت للتوترات الجيوسياسية تبقى المسألة المعقدة والأكثر تأثيرًا على قدرة الصمود في قادم الأيام.

تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى