

في كل مرة نتحدث فيها عن التنمية، تتجه الأذهان مباشرة إلى الأبراج الشاهقة، والمشاريع العملاقة، والطرق الحديثة، والمصانع المتطورة، والأرقام الاقتصادية الضخمة.
لكن يبقى هناك سؤال: «ماذا لو امتلكت الدولة أفضل الطرق، وأحدث التقنيات، وأضخم المشاريع، لكنها لم تمتلك الإنسان القادر على إدارتها وحمايتها وتطويرها؟»
هنا ندرك أن التنمية الحقيقية لا تبدأ من الإسمنت والحديد، بل تبدأ من الإنسان.
فالمشاريع يمكن أن تُبنى خلال سنوات، أما الإنسان فيحتاج إلى بناء طويل يبدأ بالتعليم، ويترسخ بالقيم، وينمو بالوعي، ويتطور بالمعرفة والخبرة والمسؤولية.
ولعل أعظم درس تعلمه العالم عبر التاريخ أن الثروات وحدها لا تصنع نهضة، وأن الموارد الطبيعية مهما بلغت قيمتها لا تكفي لتحقيق التقدم إذا لم تجد الإنسان القادر على تحويلها إلى إنجاز.
فكم من دولة تمتلك ثروات هائلة لكنها لا تزال تعاني من التخلف والاضطراب، وكم من دولة محدودة الموارد استطاعت أن تتحول إلى نموذج عالمي لأنها استثمرت في الإنسان قبل أي شيء آخر.
إن بناء الإنسان لا يعني تعليمه القراءة والكتابة فقط، بل يعني بناء عقله وشخصيته وقيمه وقدرته على التفكير والإبداع والعمل والإنتاج وتحمل المسؤولية.
الطبيب المتميز مشروع تنموي، والمعلم المخلص مشروع تنموي، والمهندس المبدع مشروع تنموي، ورجل الأمن الأمين مشروع تنموي، والمتطوع الذي يخدم مجتمعه مشروع تنموي أيضاً.
ولهذا فإن أعظم استثمار يمكن أن تقوم به أي أمة ليس في البنية التحتية، بل في البنية البشرية.
وحين ننظر إلى التجارب الناجحة حول العالم نجد أن القاسم المشترك بينها جميعاً لم يكن المال فقط، بل الاستثمار المستمر في التعليم والتدريب والبحث العلمي وتنمية المهارات وصناعة القيادات.
والحقيقة التي يغفل عنها البعض أن الإنسان هو من يبني المشروع، وهو من يديره، وهو من يطوره، وهو أيضاً من قد يتسبب في فشله إذا لم يكن مؤهلاً بالقدر الكافي.
ولهذا فإن التنمية الاقتصادية والتنمية الاجتماعية والتنمية الثقافية والتنمية التقنية كلها تلتقي عند نقطة واحدة اسمها «الإنسان».
إن بناء الإنسان الواعي يحارب الفساد قبل أن تبدأ مكافحته بالأنظمة، ويعزز الإنتاجية قبل أن تطالب بها المؤسسات، ويحمي الوطن قبل أن تطلب منه ذلك القوانين، لأنه يدرك مسؤوليته تجاه نفسه ومجتمعه ووطنه.
واليوم، وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، أصبحت الحاجة إلى بناء الإنسان أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالتقنيات تتغير، والوظائف تتغير، والاقتصادات تتغير، لكن يبقى الإنسان الواعي والمتعلم والقادر على التكيف هو الثروة الحقيقية التي لا تفقد قيمتها.
إن المستقبل لن يكون للأكثر امتلاكاً للموارد فقط، بل للأكثر قدرة على صناعة الإنسان القادر على استثمار تلك الموارد.
ويبقى السؤال الأهم:
إذا كانت المباني يمكن أن تشيدها الأموال، فمن الذي سيبني الإنسان القادر على بناء المستقبل؟
ذلك هو السؤال الذي يجب أن يشغلنا جميعاً، لأن التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان، وتنتهي بالإنسان، وتبقى لأجل الإنسان.
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.




