تقنيات

بعد زيادة أسعار DeepSeek.. هل انتهى عصر الذكاء الاصطناعي الرخيص؟ : CNN الاقتصادية



لطالما ارتبط اسم «ديب سيك» DeepSeek بتقديم نماذج ذكاء اصطناعي منخفضة التكلفة، لكن الشركة الصينية بدأت أخيراً برفع أسعار بعض خدماتها، في خطوة تعيد فتح سؤال مهم في سوق الذكاء الاصطناعي: هل تقترب نهاية عصر الـAI الرخيص؟

أعلنت «ديب سيك» تحديث أسعار الوصول إلى نماذجها الجديدة عبر واجهة البرمجة «API»، مع تطبيق تسعير مختلف خلال فترات الذروة وخارجها، ودخلت الأسعار الجديدة حيز التنفيذ في 16 أغسطس 2026.

وبحسب «رويترز»، تراوحت الزيادات بين 50% و1,100% بحسب النموذج ونوع الرموز المستخدمة وتوقيت الاستخدام.

لكن التغيير لا يعني أن سعر اشتراك المستخدم العادي في تطبيق «ديب سيك» ارتفع بالقدر نفسه؛ فالـAPI موجهة أساساً إلى الشركات والمطورين الذين يستخدمون نماذج الذكاء الاصطناعي داخل تطبيقاتهم وخدماتهم.

ومع ذلك، تحمل الخطوة دلالة أوسع، إذ تأتي بينما تحاول شركات الذكاء الاصطناعي تحويل الاستخدام المتزايد لنماذجها إلى إيرادات تستطيع مواكبة تكلفة تشغيلها والاستثمارات الضخمة التي يجري ضخها في القطاع.

كم يدفع المستخدم للذكاء الاصطناعي اليوم؟

رغم الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي، لا تزال نسبة صغيرة نسبياً من المستخدمين تدفع مقابله حيث تقدّر «مينلو فنتشرز» أن نحو 1.8 مليار شخص حول العالم استخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي، بينما بلغ إنفاق المستهلكين على هذه الأدوات نحو 12.1 مليار دولار، مع دفع نحو 3% فقط من المستخدمين مقابل الخدمات المدفوعة.

وتكشف هذه الأرقام عن فجوة واسعة بين الاستخدام والدفع. فإذا وُزّع إنفاق المستهلكين البالغ 12.1 مليار دولار بالتساوي على 1.8 مليار مستخدم، فإن المتوسط الحسابي لا يتجاوز نحو 6.7 دولار سنويًا للفرد، أو 56 سنتاً شهرياً.

لكن هذا الرقم لا يمثل متوسط فاتورة المستخدم الذي يدفع فعلاً، إذ إن الغالبية تعتمد على النسخ المجانية.

وترى «مينلو فنتشرز» أن هذه الفجوة تمثل فرصة هائلة لنمو السوق؛ فلو دفع المستخدمون البالغ عددهم 1.8 مليار شخص متوسط اشتراك قدره 20 دولارًا شهريًا، فقد يصل حجم السوق نظرياً إلى نحو 432 مليار دولار سنوياً، مقارنة بنحو 12 مليار دولار حالياً.

ماذا يستفيد المستخدم في المقابل؟

قد يبدو إنفاق المستخدم على الذكاء الاصطناعي محدودًا، لكن القيمة التي يحصل عليها في المقابل آخذة في الارتفاع

فبحسب تقرير «AI Index 2026» من جامعة ستانفورد، بلغت القيمة السنوية التي يحصل عليها المستهلكون الأميركيون من أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي نحو 172 مليار دولار في أوائل 2026، مقارنة بنحو 112 مليار دولار قبل عام. كما ارتفع متوسط القيمة المقدّرة للمستخدم من 98 دولارًا إلى 125 دولارًا خلال الفترة نفسها.

وعلى مستوى الشركات، أظهر مسح أجرته «بي دبليو سي» في الإمارات أن 65% من قادة الشركات الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي أفادوا بزيادة إنتاجية الموظفين، بينما أبلغ 46% عن زيادة الإيرادات و51% عن تحسن الربحية.

وتعني هذه الأرقام أن الاشتراك في أدوات الذكاء الاصطناعي قد لا يكون مجرد تكلفة، بل استثماراً إذا كانت القيمة التي يحصل عليها المستخدم أو الشركة تتجاوز ما يدفعه.

بينما يدفع المستخدم قليلاً.. تنفق الشركات مليارات الدولارات

في الجهة الأخرى، تتسع تكلفة بناء منظومة الذكاء الاصطناعي بسرعة وتقدّر «غولدمان ساكس» أن يبلغ الإنفاق الرأسمالي السنوي المرتبط بالذكاء الاصطناعي نحو 765 مليار دولار خلال 2026، قبل أن يرتفع إلى نحو 1.6 تريليون دولار سنويًا بحلول 2031.

وبحسب تقديرات المؤسسة، قد يصل إجمالي الإنفاق الرأسمالي المرتبط ببناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي إلى نحو 7.6 تريليون دولار بين 2026 و2031، تشمل المعالجات ومراكز البيانات والطاقة والتبريد والشبكات وغيرها من المكونات اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.

وهنا تظهر المفارقة: المستخدمون ينفقون مليارات قليلة، بينما يجري ضخ مئات المليارات في البنية التحتية التي تجعل هذه الخدمات ممكنة.

الفجوة لا تتعلق بالتكلفة فقط.. بل بالعائد

بالنسبة إلى المستثمرين وشركات التكنولوجيا، لا تكمن المشكلة في حجم الإنفاق وحده، وإنما في القدرة على تحويله إلى إيرادات.

وتقدّر «جي بي مورغان» أن تحقيق عائد يبلغ 10% على الاستثمارات الحالية في الذكاء الاصطناعي قد يتطلب نحو 650 مليار دولار من الإيرادات السنوية.

ويقدم البنك مثالاً لتوضيح حجم هذا الرقم، إذ يعادل ذلك نحو 35 دولاراً شهرياً من كل مستخدم لهاتف آيفون إذا توزعت الحاجة إلى الإيرادات على هذه القاعدة.

ولا يعني ذلك أن المستخدمين سيدفعون هذا المبلغ فعلاً، بل يوضح حجم الإيرادات التي قد تحتاج الصناعة إلى تحقيقها لتبرير الاستثمارات الحالية.

هل يدفع المستخدم الفاتورة في النهاية؟

لا يعني رفع «ديب سيك» لأسعار الـAPI أن المستخدم العادي سيجد اشتراكه أغلى غداً.

لكن ارتفاع تكلفة استخدام النماذج بالنسبة إلى الشركات والمطورين قد ينعكس لاحقاً على المستخدم النهائي، سواء عبر اشتراكات أعلى، أو خصائص مدفوعة، أو حدود استخدام أكثر صرامة في الخطط المجانية، أو أسعار أعلى للخدمات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي.

وفي المقابل، كلما زادت قيمة الذكاء الاصطناعي بالنسبة إلى المستخدم، أصبح من الأسهل على الشركات إقناعه بالدفع مقابله.

وهنا تظهر نقطة التحول: الذكاء الاصطناعي قد لا يظل مجرد أداة نستخدمها عند الحاجة، بل قد يتحول إلى جزء أساسي من العمل والتعليم والتسوق والخدمات اليومية.

وكلما أصبح الاستغناء عنه أصعب، زادت قدرة الشركات على تحويل الاعتماد عليه إلى إيرادات.

من أين ستأتي الأرباح؟

ولا تقتصر محاولة تحقيق العائد على رفع أسعار الاشتراكات فقط؛ إذ تختبر شركات الذكاء الاصطناعي نماذج مختلفة لتحقيق الإيرادات، من بينها التسعير بحسب الاستخدام، وخدمات المؤسسات، ودمج الذكاء الاصطناعي داخل منتجات أخرى، إلى جانب نماذج إعلانية.

وبالنسبة إلى المستثمرين، فلا تقتصر الفرصة أيضاً على الشركات التي تطور نماذج الذكاء الاصطناعي، بل تمتد إلى القطاعات التي توفر البنية اللازمة لتشغيلها، مثل الرقائق، ومراكز البيانات، والطاقة، والشبكات والحوسبة السحابية.

وبذلك لا يذهب كل دولار يُنفق على الذكاء الاصطناعي إلى شركة تطوير نماذج، بل يتوزع عبر منظومة كاملة من الشركات التي تستفيد من توسع هذه الصناعة.

مفارقة المستقبل

المفارقة أن النقاش حول المال في عصر الذكاء الاصطناعي قد يسير في اتجاهين متناقضين.

فمن ناحية، تحاول صناعة الذكاء الاصطناعي حاليًا الوصول إلى نموذج تجاري قادر على تحقيق إيرادات ضخمة تبرر تكاليف البنية التحتية والاستثمارات المتصاعدة.

ومن ناحية أخرى، يتوقع إيلون ماسك أن يؤدي التطور السريع في الذكاء الاصطناعي والروبوتات إلى مستقبل يصبح فيه العمل أكثر اختيارية، وقد تقل فيه أهمية المال مع ارتفاع القدرة الإنتاجية للآلات.

وبينما تتسابق شركات التكنولوجيا على توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي، يزداد التحدي وضوحًا: كيف يمكن تحويل مليارات المستخدمين والإنفاق المتسارع على البنية التحتية إلى إيرادات تبرر هذه الاستثمارات؟

وقد يكون ملف التسعير أحد أبرز ساحات هذا السباق خلال السنوات المقبلة، خصوصاً مع ظهور مؤشرات مبكرة، مثل تحرك «ديب سيك»، على أن مرحلة الذكاء الاصطناعي شديد الانخفاض في التكلفة قد لا تستمر بالشكل نفسه إلى الأبد.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى