

يعلم المرء أن حياته تعتمد على تواصل استمرارية صدور نبضات القلب، التي يتم من خلالها ضخ الدم إلى أعضاء الجسم كافة، سواء العالي الأهمية منها أو الأدنى من ذلك. ويعلم المرء أن توقف القلب عن النبض يعني توقف الحياة، كما يعلم أن حصول التوقف في صدور نبض القلب لا يتم بالضرورة فجأة، بل ربما بشكل متدرج في التباطؤ. ولذا فإن أي تباطؤ في صدور نبض القلب قد يعني تلقائياً للمرء أن ثمة شيئاً ما «غير طبيعي» و«مُثير جداً للقلق»، وأنه ربما «يُهدد» سلامة حياته.
بطء النبض
ولكن ربما لا تكون الأمور من الناحية الطبية كذلك. وإليك الحقائق التوضيحية التالية حول بطء نبض القلب:
1. بطء القلب هو انخفاضٌ في سرعة حصول نبضات القلب. ومعدل ضربات القلب هو عدد نبضات القلب في الدقيقة الواحدة. والطبيعي أن يتراوح معدّل نبضات القلب لدى البالغين أثناء الراحة ما بين 60 و100 نبضة في الدقيقة. وظهر هذا التحديد للمدى الطبيعي لعدد نبضات القلب لأول مرة في عام 1928 عندما نشرت جمعية القلب في نيويورك NYHA طبعتها الأولى من «تسمية ومعايير تشخيص أمراض القلب».
ولذا تعني الإصابة ببطء القلب أن سرعة قلب الشخص هي أقل من 60 نبضة في الدقيقة. ولفهم أسباب بطء القلب على نحو أفضل، قد تُفيد معرفة الطريقة التي ينبض بها القلب عادة. وللتوضيح، يتكون القلب الطبيعي من أربع حجرات. وتُعرف الحجرتان العلويتان باسم الأذينَين، بينما تُعرف الحجرتان السفليتان باسم البُطينين.
وتحدث نبضة القلب عندما تُرسل إشارات كهربائية إلى عضلة القلب للانقباض وضخ الدم. ويعتمد نظام الكهرباء في القلب على عنصرين:
– منطقة التحكّم والإصدار الكهربائي Pacemaker: وهي المنطقة المُنظّمة لصدور الإشارات الكهربائية التي تُكون ضربات القلب. وهي مجموعة من الخلايا في أعلى حجرة الأذين الأيمن من القلب، وتُسمى العقدة الجيبية الأذينية SA Node.
– مسارات التوصيل الكهربائي Pathways: بعد خروج الإشارات الكهربائية من العقدة الجيبية الأذينية، فإنها تسري عبر مسارات كهربائية في أرجاء الأذين الأيمن ثم الأيسر، كي تتم عملية انقباض الأذينين وتدفق الدم منهما إلى البطينين. ثم بعد استراحة وجيزة للإشارة الكهربائية في العقدة الأذينية البطينية، تكمل الإشارة الكهربائية سريانها عبر حُزَيمَة يُمني (تنشر الإشارة الكهربائية في البطين الأيمن) وحُزَيمَة يُسرى (تنشر الإشارة الكهربائية في البطين الأيسر). ونتيجة لذلك الانتشار الكهربائي، ينقبض البطينان في «نبضة» تضخ الدم إلى أرجاء الجسم المختلفة.
وللجهاز العصبي دور في تغيير سرعة ضربات القلب، حيث يعمل الجهاز العصبي الودي اللاإرادي Sympathetic Nervous System على زيادة سرعة ضربات القلب أثناء ممارسة الرياضة أو التعرض للضغط النفسي، بينما يُبطئ الجهاز العصبي اللاودي Parasympathetic Nervous System عبر العصب المبهم Vagus Nerve نبضات قلبك أثناء الراحة. وللهرمونات، مثل الأدرينالين، كذلك دور في تحفيز القلب على النبض بشكل أسرع.
انخفاض معدل النبض
2. انخفاض معدل نبض القلب ليس داعياً للقلق دائماً، فعلى سبيل المثال، من الطبيعي لدى بعض الأشخاص أن يتراوح معدل القلب أثناء الراحة بين 40 و60 نبضة في الدقيقة، خاصةً اليافعين الأصحاء والرياضيين المدرَّبين. وكذلك من الطبيعي خلال النوم أيضاً أن ينخفض النبض إلى ما دون 40 نبضة في الدقيقة لدى غالبية الناس.
وقد يُسبب بطء نبض القلب في حالات قليلة مشكلة خطيرة، حينما تكون سرعة القلب بطيئة للغاية ولا يستطيعالقلب ضخ كمية كافية من الدم الغني بالأكسجين إلى أعضاء الجسم، والدماغ من أهمها. ذلك أن البطء الشديد في إصدار نبض القلب، ولو لفترة وجيزة، يُؤدي إلى عدم وصول كميات كافية من الدم المُحمّل بالأكسجين إلى الدماغ أو إلى عضلة القلب حينما لا يصلها ما تحتاجه من الدم المُحمّل بالأكسجين. وبالتالي فإن الشخص آنذاك يُعاني بشكل مباشر وفوري من التعب أو الضعف الشديد أو ضيق التنفس أو آلام الصدر.
ولكن في بعض الحالات قد يتسبب بطء القلب عن المعدل الطبيعي بعدم وصول الأكسجين الكافي إلى الدماغ والأعضاء الأخرى، مما قد يُسبب ظهور الأعراض التالية:
– ألم في الصدر.
– التشوش الذهني أو مشكلات في الذاكرة.
– الدوخة أو الدُوار.
– الشعور بالتعب الشديد، خاصةً أثناء ممارسة الأنشطة البدنية.
– الإغماء أو شبه الإغماء.
– ضيق النفَس.
وقد تشمل المضاعفات المحتملة لبطء القلب ما يلي:
– الإغماء المتكرر.
– فشل القلب.
– توقف القلب المفاجئ أو الوفاة القلبية المفاجئة.
وللإجابة على سؤال: متى تزور الطبيب؟ فإن العوامل التي تُسبب أعراض بطء القلب متعددة. ولذا من المهم تشخيص الحالة بسرعة ودقة وتلقي الرعاية المناسبة. حدد موعداً للخضوع لفحص طبي في حال القلق إزاء بطء سرعة القلب. وفي حال الإصابة بالإغماء أو صعوبة التنفس أو الشعور بألم في الصدر مدة تزيد على بضع دقائق، اتصل على رقم الطوارئ الطبية.
3. قد لا يُسبب بطء القلب أعراضاً أو مضاعفات في كثير الأحيان، وذلك لأسباب متعددة. ومن أهم أسباب عدم تسبب بطء نبض القلب بأي أعراض مرضية، أمران:
– عندما يكون البطء مُتحمَّلاً من قبل الجسم لأنه ليس بطءً شديداً.
– عند حصول ذلك لدى الرياضيين المحترفين الذين تعوّد قلبهم ودماغهم على بطء نبض القلب.
ولذا يعتمد علاج بطء القلب على حدة الأعراض وسبب بطء سرعة القلب. وإذا لم تظهر عليك أعراض، فقد لا تحتاج إلى علاج.
قد يتضمن علاج بطء القلب ما يلي:
– تغييرات في نمط الحياة.
– تغيير الأدوية.
– جهاز طبي يُسمى منظم ضربات القلب.
وفي حال وجود مشكلة صحية أخرى، مثل مرض الغدة الدرقية أو انقطاع النفَس النومي، تُسبب بطء سرعة القلب، قد ينجح علاج تلك الحالة في تصحيح بطء القلب. وإذا كنت مصاباً بأعراض بطء القلب الشديد ولم تكن العلاجات الأخرى ممكنة، فقد يقترح اختصاصي الرعاية الصحية جهازاً يُسمى منظم ضربات القلب.
ويُوضع منظم ضربات القلب تحت الجلد بالقرب من عظم الترقوة أثناء عملية جراحية بسيطة. ويساعد الجهاز على إصلاح نبض القلب البطيء. فعندما ينبض القلب ببطء شديد، يرسل منظم ضربات القلب إشارات كهربائية إلى القلب لتسريع النبض.
أسباب مختلفة لبطء النبض
تشمل أسباب التغيُّرات في إشارات القلب التي يمكن أن تؤدي إلى بطء القلب:
– متلازمة بطء – تسرّع القلب. تُسبب مشكلات «داخل» العقدة الجيبية (في الجزء العلوي من الأذين الأيمن للقلب) لدى بعض المرضى نشوء حالات تسارع نبض القلب وتباطُؤَه، وذلك بشكل متناوب.
– إحصار القلب، ويسمى الإحصار الأذيني البطيني. في هذه الحالة المرَضية، يتكون ما يُشبه «الغلاف الوهمي الخارجي» حول العقدة الجيبية (مكان إصدار كهرباء نبض القلب)، وبالتالي لا تخرج من العقدة الجيبية الإشارة الكهربائية، وعليه لا تنتقل الإشارات الكهربائية للقلب من الحجرتين العلويتين للقلب إلى الحجرتين السفليتين بطريقة سليمة.
– تضرر في نسيج القلب مرتبط بالتقدم في العمر.
– تضرر في نسيج القلب نتيجة لمرض في القلب أو نوبة قلبية.
– حالة مرَضية ولادية في القلب، وتسمى عيباً خِلقياً في القلب.
– التهاب في نسيج القلب، ويسمى التهاب عضل القلب.
– أحد مضاعفات جراحة القلب.
– قلة نشاط الغدة الدرقية، ويسمى قصور الدرقية.
– تغيُّرات في مستوى المعادن في الجسم، مثل البوتاسيوم أو الكالسيوم.
– اضطراب النوم، ويسمى انقطاع النفَس الانسدادي النومي.
– مرض التهابي، مثل الحُمّى الروماتيزمية أو الذئبة.
– أدوية معينة، بما في ذلك المهدئات والعقاقير أفيونية المفعول، وبعض الأدوية المستخدمة لعلاج مشكلات القلب والصحة العقلية. ويمكن أن تؤثر العديد من الأدوية المختلفة في نبضات القلب. وقد يُسبب بعضها بطء القلب. لذا، عليك أن تخبر فريق الرعاية الصحية دائماً بكل الأدوية التي تتناولها. واذكر الأدوية التي اشتريتها دون وصفة طبية. وإذا كنت تتناول دواءً يُسبب بطء القلب، فقد يوصي اختصاصي الرعاية الصحية بتقليل الجرعة. أو قد يغير لك الدواء.
خطوات متسلسلة في تشخيص بطء القلب
لتشخيص بطء القلب، يُلخّص أطباء القلب في «مايوكلينك» ذلك بقولهم: «يفحصك الطبيب ويستمع إلى قلبك باستخدام السماعة الطبية. ستُطرح عليك غالباً أسئلة عن الأعراض التي تشعر بها وعن سيرتك المرَضية».
وقد تُجرى بعض الاختبارات لفحص قلبك والبحث عن الحالات المرَضية التي يمكن أن تُسبب بطء القلب.
– اختبارات الدم. يمكن اختبار عينة من الدم للتحقق من الإصابة بالعَدوى والتغيرات في المواد الكيميائية في الجسم مثل البوتاسيوم. قد يُجري اختبار دم أيضاً للتحقق من وظيفة الغدة الدرقية.
– تخطيط كهربائية القلب. (ECG) هذا هو الاختبار الرئيسي المُستخدَم لتشخيص بطء القلب، إذ يقيس مخطط كهربائية القلب النشاط الكهربي للقلب. ويُجرَى هذا الفحص للكشف عن كفاءة نبض القلب، حيث توضع لصيقات جلدية بها مستشعرات على الصدر وأحياناً على الذراعين والساقين. وتُوصّل الأقطاب الكهربائية عبر أسلاك بجهاز كمبيوتر يعرض النتائج أو يطبعها.
– جهاز هولتر. إذا لم يظهر تخطيط كهربائية القلب اضطراب نبض القلب، فقد يقترح اختصاصي الرعاية الصحية جهاز هولتر. يُرتدى جهاز تخطيط كهربية القلب المحمول هذا ليوم واحد أو أكثر، ويسجل هذا الجهاز نشاط القلب أثناء ممارسة الأنشطة اليومية.
– جهاز رصد الأحداث القلبية. هذا الجهاز يشبه جهاز هولتر، لكنه لا يسجل نشاط القلب إلا في أوقات معينة لبضع دقائق في المرة الواحدة. ويعمل في المعتاد عن طريق الضغط على زر عند الشعور بالأعراض. وينبغي ارتداء هذا الجهاز لمدة تصل إلى 30 يوماً أو لحين الشعور بالأعراض.
– اختبار الطاولة المائلة. قد يُجرى هذا الاختبار إذا كنت قد أُصبت من قبل بنوبات إغماء. يفحص اختصاصي رعاية صحية سرعة القلب وضغط الدم بينما تستلقي على طاولة، ثم تُمال الطاولة لتكون في وضعية الوقوف. ويراقب اختصاصي الرعاية كيف يستجيب القلب والجهاز العصبي للتغيير في الوضع.
– اختبار الجهد. تحدث بعض حالات اضطراب نبض القلب أو تسوء نتيجةَ الجهد. أثناء اختبار الجهد، يُرصَد نشاط القلب عند إجراء تمرين على دراجة ثابتة أو السير على جهاز مشي كهربائي. وفي حال تعذر أداء التمارين الرياضية، يمكن إعطاؤك دواءً له تأثير التمارين الرياضية نفسه في القلب.
– تخطيط النوم. قد يُقترح تخطيط النوم إذا كنت تُصاب بتوقف متكرر للتنفس أثناء النوم، ويُسمى انقطاع النفَس الانسدادي النومي. وقد تؤدي هذه الحالة إلى حدوث تغيرات في نبض القلب.




