

وجّهت دولة الإمارات خلال العقد الماضي جهودها لترسيخ مكانتها بصفتها مركزاً عالمياً للابتكار والتكنولوجيا والقطاعات القائمة على المعرفة، كما يحظى الابتكار بأهمية متنامية في الرؤية الاقتصادية طويلة الأمد للدولة، وهو ما يظهر بوضوح في مجالات عديدة، بدءاً من الذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم، ووصولاً إلى الطاقة النظيفة وعلوم الحياة.
وشكّل إطلاق برنامج الحوافز الضريبية للبحث والتطوير في الدولة في وقت سابق من العام الحالي خطوة مهمة أخرى في هذا المسار.
وبالنسبة للشركات التي تستثمر في الابتكار، يتيح النظام فرصة قيّمة محتملة لتقليل التزاماتها المتعلقة بضريبة الشركات مع دعم الأنشطة البحثية ضمن الإمارات. إلا أنه ينبغي للمؤسسات ألّا تحصر نظرتها إلى هذا النظام في الوفورات الضريبية، فما يوفره من فرص تجارية يقابله جملة من الاعتبارات القانونية والتشغيلية ومتطلبات الحوكمة التي تتطلب تخطيطاً مبكراً، كغيره من الأُطر الحديثة في هذا المجال.
والنقطة الأهم للشركات هنا، ولا سيما للمجموعات متعددة الجنسيات، ليس إن كانت مؤهلة للاستفادة من الإعفاءات، بل فيما إذا كانت تمتلك أُطر الحوكمة والعمليات اللازمة لإدارة أنشطة البحث والتطوير بفاعلية وإثبات استحقاقها للإعفاءات، إلى جانب التعامل مع التعقيدات العملية المرتبطة بالامتثال المستمر.
ويمنح النظام، الذي يُطبق في السنة المالية التي تبدأ يوم 1 يناير 2026 أو بعده، إعفاءً ضريبياً بنسبة تصل إلى 50% غير قابل للاسترداد على نفقات البحث والتطوير المؤهلة، وذلك وفقاً لشرائح الإنفاق المحددة، وبحد أقصى يبلغ خمسة ملايين درهم إماراتي. ويرتبط هذا الحافز بأنشطة البحث والتطوير المؤهلة التي تُنفذ داخل دولة الإمارات، كما يتماشى مع المعايير المعترف بها دولياً الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD).
ومع أن هذا التوافق مع المعايير العالمية يوفر قدراً من الألفة للشركات متعددة الجنسيات، إلا أنه لا يُغني عن الحاجة إلى إجراء تقييم دقيق وإعداد وثائق داعمة شاملة لمعالجة الجوانب العملية غير الواضحة المرتبطة بالمطالبة بالاستفادة من هذا الحافز.
وتتمثل إحدى أبرز مزايا النظام الجديد وأكثرها فائدة في اعتماده آلية إلزامية للحصول على موافقة مسبقة. فبخلاف ما هو معمول به في بعض الدول، يتعين على الشركات التي ترغب في الاستفادة من الحافز الضريبي في دولة الإمارات الحصول على موافقة مجلس الإمارات للبحث والتطوير قبل أن تتمكن مشاريعها المؤهلة من الاستفادة من الائتمان الضريبي.
ويُحدث هذا الشرط تغييراً جذرياً في الطريقة التي ينبغي للمؤسسات أن تخطط بها لأنشطة البحث والتطوير.
ويعتمد هذا النظام تعريفات معتمدة دولياً لأنشطة البحث والتطوير، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن كل استثمار في التكنولوجيا أو مبادرة للتحول الرقمي ستكون مؤهلة للاستفادة من الإعفاء الضريبي.. لذا يتعين على الشركات إثبات أن أنشطة البحث والتطوير تستند إلى مفاهيم مبتكرة، وتنطوي على نتائج غير مؤكدة مسبقاً، وقد نُفذت وفق منهجية واضحة ومنظمة، كما سيؤدي التوثيق الشامل وأُطر الحوكمة الفعالة دوراً محورياً في إثبات استيفاء هذه الأنشطة لمعايير التأهل.
ويؤدي ذلك إلى زيادة أعباء الامتثال، لا سيما في الحالات التي يفترض بها أصحاب المصلحة داخل الشركة أن المشاريع مؤهلة للاستفادة من الإعفاءات الضريبية استناداً إلى أهدافها التجارية، بدلاً من تقييم هذه الأهداف وفق معايير الأهلية الفنية المعتمدة.
إضافة إلى ذلك، ينبغي متابعة استيفاء معايير التأهل وتوثيقها باستمرار خلال مرحلة الموافقة المسبقة وعلى امتداد فترة تنفيذ مشروع البحث والتطوير، لضمان إمكانية المطالبة بالحافز الضريبي عاماً بعد عام.
أيضاً من النواحي الأخرى التي تستدعي عناية خاصة، منظومة مكافحة إساءة استخدام الحوافز التي يتضمنها النظام.
وعلى غرار العديد من البرامج العالمية للحوافز، ستسعى الجهات التنظيمية إلى ضمان ارتباط فوائد البرنامج بأنشطة ابتكار حقيقية، لا بعمليات إعادة هيكلة تهدف إلى تحقيق مزايا ضريبية. فالشركات التي تدرس إجراء عمليات إعادة تنظيم داخلية أو نقل أصول أو إعادة هيكلة على مستوى المجموعة، ينبغي لها أن تقيّم تأثير هذه العمليات على مدى أهليتها للاستفادة من الحوافز، وملكية الائتمان الضريبي، وإمكانية الاستفادة منه مستقبلاً.
كما أن وجود أحكام لاسترداد الحوافز يعزز أهمية التخطيط المدروس، فالقرارات التي تبدو منطقية من الناحية التجارية قد ينجم عنها تبعات غير مقصودة في حال أثّرت على الشروط التي استندت إليها المطالبات التي سبق اعتمادها للحصول على الحافز.
ويزداد المشهد تعقيداً في حالة الشركات متعددة الجنسيات، فمع تطبيق الحد الأدنى للضريبة التكميلية في دولة الإمارات، إلى جانب التوسع في تطبيق قواعد الركيزة الثانية (Pillar Two) الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بات يتعين على الشركات تقييم الحوافز الضريبية ضمن إطار حوكمة ضريبية عالمي، بدلاً من تقييمها بمعزل عن بقية الدول التي تعمل فيها.
وفي بعض الحالات، قد تتأثر القيمة الإجمالية للحافز بالعلاقة بين الإعفاءات الضريبية المخصصة للبحث والتطوير، وآليات احتساب الحد الأدنى للضريبة(DMTT)، والوضع الضريبي للمجموعة المستفيدة ككل. لذلك، ينبغي للفرق الضريبية ألّا تنظر إلى هذا النظام بمعزل عن غيره، بل أن تقيّمه في إطار تكامله مع المنظومة الضريبية.
ومن المهم أيضاً ألّا يُختزل هذا النظام في كونه مجرد إجراء ضريبي؛ فالهدف العام منه هو تشجيع المؤسسات على القيام بأنشطة بحثية أعلى قيمة ضمن دولة الإمارات، ما يؤدي إلى توفير وظائف تتطلب مهارات عالية ويقوّي منظومة الابتكار في الدولة.. أما الشركات التي تتبنى نهجاً استراتيجياً في الاستفادة من هذا النظام فقد تكتشف أن قيمته الحقيقية تتجاوز بكثير مجرد تحقيق وفورات ضريبية.
وقد تتمكن المؤسسات التي تُحسِّن الاستفادة من هذا الحافز من تسريع اتخاذ قرارات الاستثمار، والإسهام في تطوير القدرات المحلية، وتعزيز الجدوى الاقتصادية لتوطين أنشطة الابتكار في دولة الإمارات.
وبما أن النظام قد أُطلق رسمياً، ينبغي للمؤسسات أن تبادر إلى اتخاذ خطوات عملية لتقييم جاهزيتها، ويُستحسن البدء بإجراء مراجعة لأهلية أنشطة البحث والتطوير لتحديد المشاريع التي تستوفي متطلبات إطار العمل الجديد.. كما ينبغي للشركات تقييم فيما إذا كانت عمليات الحوكمة وإجراءات حفظ السجلات الحالية لديها كافية لدعم طلبات الحصول على الحافز مستقبلًا وقادرة على الصمود أمام أي تدقيق تنظيمي محتمل.
ويجب أن يبدأ الاستعداد لعملية الموافقة المسبقة قبل وقتٍ كافٍ من تنفيذ المشروع. ويشمل ذلك تحديد الأنشطة والنفقات المؤهلة، وإرساء أُطر للتوثيق، وضمان مواءمة الجهود بين الفرق المعنية بالشؤون الضريبية والمالية والقانونية والتشغيلية.
وفي حالة المجموعات متعددة الجنسيات الكبرى، ينبغي أن يتضمن التخطيط المبكر أيضاً تقييم تأثير متطلبات الركيزة الثانية (Pillar Two) على التزامات الحد الأدنى المحلي للضريبة.
وفي الوقت نفسه، يجب على الشركات مواصلة مراقبة التوجيهات المستقبلية ومستجدات التنفيذ، بما في ذلك إجراءات الامتثال، مع الاستعداد أيضاً للمرحلة المقبلة من حوافز البحث والتطوير، والتي يُتوقع أن تكون على شكل ائتمان ضريبي قابل للاسترداد في دولة الإمارات.
وكما هي الحال مع أي نظام حوافز جديد، فإن تفسيره وتطبيقه عملياً سيتطور تدريجياً.
ولا تزال هناك تساؤلات بشأن الإجراءات الإدارية، ومتطلبات الإثبات، وآلية التعامل مع هياكل المجموعات المؤسسية المعقدة، وآلية تطبيقه في قطاعات محددة.
ومن المتوقع أن تحظى أي إرشادات إضافية تصدرها الجهات المختصة بمتابعة وثيقة من المكلفين بالضريبة والمستشارين على حد سواء.
ويمثّل نظام الإعفاء الضريبي الجديد للبحث والتطوير إنجازاً مهماً في أجندة الابتكار لدولة الإمارات، ويقدم فرصاً مجدية للشركات التي تستثمر في هذا النوع من الأنشطة.
غير أن هذا لا يعني بالضرورة أن المؤسسات الأكثر إنفاقاً على الابتكار لها احتمالية أكبر في الاستفادة من النظام، فالأفضلية هنا للجهات التي تجمع بين الطموح في مجال الابتكار، والحوكمة الرشيدة، والتخطيط المدروس، والفهم الواضح للأطر القانونية والتنظيمية التي تحكم هذا النظام.
وفيما تواصل دولة الإمارات ترسيخ مكانتها بصفتها اقتصاداً رائداً في مجال الابتكار، فإن الشركات التي تبادر في الاستعداد مبكراً ستتمتع بموقع أفضل للاستفادة من المزايا التي يتيحها هذا المشهد الجديد، سواء على المدى القريب أو البعيد.
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثل آراء الكاتب فقط، ولا تعكس أو تمثل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.




