الصورة الكاملة لمصنع الطلاء كميكو وحكاية الفتى الذي سابقَ زمنه ليبني صرحاً !
▫️رصد ومتابعة .
ثمة لقطات تاريخية لا تولد لتبقى حبيسة الألبومات القديمة بل لتكون وثيقةً حية على ولادة “الاستثنائية” ، حين تتأملون تلك الملامح الفتية الشاخصة في الصورة المرفقة لفتىً لم يتجاوز الخامسة عشرة من ربيعه ، وهو يقف بثبات الكبار ممسكاً بزمام الكلمة في حفل تدشين أكبر مصنع طلاء في اليمن قبل قرابة نصف قرن ، فإنكم لا تنظرون مجرد طفلٍ أُلقي في محفلٍ بل تدونون لحظة “الميلاد الأول” لظاهرةٍ عصية على التكرار ، هذا الفتى النابغة ، الذي خطف الأنظار وأدهش الحاضرين بنبرته الواثقة وفراسته المبكرة ، هو ذاته الأستاذ أبوبكر أحمد عبدالله الشيباني الذي اصبح رئيسا لمجلس ادارة مجموعة احمد عبدالله الشيباني التجارية والصناعية .
** لم يكن أبوبكر في كنف أسرته طفلاً يرتاد دروب الصبا التقليدية بل كان وميضاً من الذكاء المتوقد وظاهرةً عائلية وعملية تنبأ الجميع بأن خلف خطى هذا الصغير فضاءات رحبة من النجاح ، لم يخذل الفتى تلك التوقعات بل سار نحوها بخطى واثقة وعزيمة صلبة.
والأيام التي دارت عجلتها سريعة ، لم تزد هذا النجم إلا بريقاً ، ليتوج تلك المسيرة الطويلة والملهمة بترؤسه اليوم لـ مجلس إدارة مجموعة أحمد عبدالله الشيباني ، الصرح الاقتصادي العملاق الذي واكب الفتى لبناته الأولى ، ويقوده اليوم بحنكة الكبار.
** بين الأمس واليوم ، مرت في حياة الأستاذ أبوبكر الشيباني مراحل ومحطات يمانية خالصة ، صُبغت بالتحدي والكفاح وفي كل مرحلة منها كان يظهر ناجحاً بصورة لافتة ، لا يمر في موقف الا ويحظى باحترام الناس ، ولا يقبل بنصف إنجاز ، لقد
رسم نموذجاً ملهماً وأثبت من خلاله أن الريادة ليست نتاج المصادفة ، بل هي ثمرة غرسٍ مبكر من النبوغ ورعايةٍ واعية وإرادة لا تلين.
إنها مسيرة رجلٍ لم ينتظر المستقبل لكي يأتي إليه ، بل ذهب وصنعه بنفسه منذ لقطة ذلك الميكروفون القديم ، ليظل اسماً محفوراً في ذاكرة اليمنيين .
** تظل البدايات دائمًا هي الجزء الأكثر سحرًا في حكايات النجاح الكبرى ، تلك التفاصيل الصغيرة ، التواريخ المحفورة في الذاكرة ووجوه الرجال الذين عاصروا ضربة الفأس الأولى وامتزج عرق جهودهم بألوان الإنتاج.
** في هذه السطور لن نتحدث عن قائد مسيرة النجاح الاستاذ ابوبكر وحسب بل سنستعرض ايضا صفحات من تاريخ صرح صناعي عريق ، يرويها رجالٌ عاشوا تفاصيل التحولات الكبرى ، من شارع جمال إلى الحصب، وصولًا إلى الربيعي.
▫️محطة الحصب.. من حجر الأساس إلى واقع الإنتاج .
** بين وضع حجر الأساس والبدء الفعلي في العمل حكاية صبر وصمود ، تشير الروايات التاريخية لمن عاصروا تلك الحقبة إلى أن عام 1976م شهد وضع حجر الأساس أمام ما يُعرف اليوم بـ “بوابة البلاستيك” في منطقة الحصب إلا أن عجلة الإنتاج لم تنتقل فورًا إذ استمر العمل في المقر القديم بشارع جمال لعام إضافي.
جاء التحول الفعلي في خريف 1977 وتحديدًا في 19 نوفمبر وهو تاريخ يحمل رمزية مزدوجة التقت فيها مواقيت السياسة بالصناعة
يتذكر الرواد ذلك اليوم بدقة فيقولون باختصار :
كان أول يوم دوام لنا في مقر الحصب هو عاشر أيام عيد الأضحى المبارك ، بعد عشرة أيام تمامًا من الزيارة التاريخية للرئيس السادات إلى القدس .
هكذا انطلقت مسيرة الحصب لتطوي صفحة شارع جمال وتبدأ عهدًا جديدًا من التوسع
▫️هويّة الألوان من “تيتان” و”ديلوكس” إلى ولادة “كميكو”
▫️لم يكن التميز في الجودة وليد الصدفة ، بل كان نتاج تطور مستمر في خطوط الإنتاج وعلاماته التجارية.
في البدايات الأولى بشارع جمال، وتحديدًا منذ عام 1973 م ، كانت العلامة التجارية “تيتان” (Titan) بنوعيها الزيتي والمائي هي الحاضر الأبرز في خطوط الإنتاج.
ومع تطور المصنع ، دخل منتج “ديلوكس” (Delux) ليكون واحدًا من أوائل المنتجات التي وضعت لبنة الثقة بين المصنع والمستهلك. أما العلامة الشهيرة “كميكو” (Chemico)، فقد كانت بمثابة مستقبل المصنع الذي لم يبصر النور إلا مع الانتقال إلى المقر الجديد في الحصب لتصبح صرعة جديدة في عالم الطلاء بفضل التجهيزات الحديثة هناك.
▫️رحلة الربيعي.. الانتقال التدريجي ومعادلة “الفلاش”
مع كبر الطموح وضيق المساحة ، كان لا بد من التفكير في أفق أوسع، فكانت الوجهة نحو “الربيعي”. بدأت التجهيزات واستيراد الماكينات الحديثة وتثبيتها في المقر الجديد منذ عام 1988م ، لتهيئة البنية التحتية لنقلة نوعية وفي سبتمبر من عام 1990م ، وتحديدًا بالتزامن مع أحداث حرب الخليج ، بدأت عملية النقل الفعلي. ولم تكن المغادرة فجائية ، بل تمت بإستراتيجية ذكية اعتمدت “التدرج”:
▫️المرحلة الأولى : نقل خط إنتاج منتج “الفلاش” كأول منتج يتم تصنيعه وتشغيله في الربيعي.
▫️المرحلة الثانية: نقل بقية الخطوط والمنتجات تباعًا حتى استقر المقر الجديد بالكامل.
▫️ أبو بكر الشيباني.. نصف قرن من العطاء .
إن هذا العبور الآمن بين المحطات والقفزات النوعية في الجودة ، لم تكن لتتحقق لولا وجود قيادة فذة تتوارث الشغف كابراً عن كابر ، وهنا يبرز اسم الأستاذ أبو بكر أحمد عبدالله الشيباني، الذي لم يكن مجرد كادر إداري ، بل كان العضد الأيمن والامتداد الحقيقي لوالده المؤسس.
** على مدى خمسين عاماً كاملة من العمل الدؤوب والكتف بالكتف مع والده ، صاغ الأستاذ أبو بكر فلسفة خاصة في الإدارة والتطوير ، لقد كان له كبير الأثر وبصمة لا تُمحى في تحسين جودة العمل وتحديث خطوط الإنتاج والارتقاء بمعايير الكفاءة لتواكب التطور العالمي.
** خمسون عاماً امتزجت فيها حكمة الآباء بطموح الأبناء، فكان الأستاذ أبو بكر صمام الأمان الذي حافظ على أصالة البدايات وقاد المصنع نحو آفاق الحداثة والتنافسية.
إن هذه الشهادات الحية، التي بادر بجمعها الأستاذ أبو بكر من صدور الرجال الذين عاصروا اللبنات الأولى، ليست مجرد سرد زمني بل هي وثيقة وفاء تؤكد أن وراء كل علامة تجارية ناجحة رجالٌ حفظوا التاريخ بحواسهم، وقادةٌ أفنوا عقوداً من العمر ليصنعوا من الطلاء هوية، ومن الجدران حكاية نجاح يمني أصيل .