

وطالما عُدّ تقطير النماذج أداة قياسية في أبحاث الذكاء الاصطناعي، لكنه أصبح الآن محور خلاف متزايد بشأن ما إذا كان يمكن نقل قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة من دون موافقة الشركات التي طورتها.
واتهمت واشنطن وشركات أميركية رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي منافسين صينيين باستخدام هذه التقنية لاستخراج قدرات من نماذج مملوكة، ما فتح جبهة جديدة في المنافسة المتزايدة حدة على الريادة التكنولوجية.
ما هو تقطير النماذج؟
تتطلب أكبر نماذج الذكاء الاصطناعي، المعروفة باسم النماذج المتقدمة، كميات هائلة من قدرات الحوسبة والبيانات والاستثمارات لتدريبها.
ويوفر تقطير النماذج وسيلة لإنشاء أنظمة أصغر باستخدام نموذج كبير يُسمى «المعلم» لتدريب نموذج أصغر يُسمى «الطالب».
وينتج النموذج المعلم أمثلة، مثل الإجابات وشيفرات البرمجة، تُستخدم لاحقًا كبيانات تدريب للنموذج الطالب.
ولا يمثل النموذج الأصغر نسخة مطابقة للنموذج المعلم، إذ لا يرث أوزانه أو بنيته أو كامل قدراته، وإنما يتعلم سلوكيات محددة تمكّنه من أداء مهام معينة بكفاءة أكبر.
لماذا يعد تقطير النماذج مهمًا؟
تكمن جاذبية التقطير في قدرته على جعل الذكاء الاصطناعي أقل تكلفة وأسهل في الاستخدام.
وقد يتطلب نموذج متقدم مراكز بيانات ضخمة ورقائق باهظة التكلفة لتشغيله، بينما يمكن للنماذج المقطرة العمل على أجهزة أقل قوة، كما يمكن تخصيصها لأداء مهام محددة.
ويجعل ذلك هذه النماذج جذابة للشركات والحكومات التي تسعى إلى توسيع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي، سواء في الأجهزة أو المصانع أو السيارات أو الشبكات الخاصة.
لماذا تحظى مسارات الاستدلال بأهمية؟
أدت التطورات الأخيرة في أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى زيادة الاهتمام بنقل ليس فقط الإجابات النهائية، وإنما أيضًا الخطوات المستخدمة للوصول إليها.
وشبّه فلوريان ترامر، الأستاذ المساعد في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، الذي يدرس أمن التعلم الآلي، العملية بالتعلم البشري.
وقال: «إذا أعطيتك كتابًا يحتوي على مسائل رياضية معقدة وحلولها النهائية، فسيكون تعلم كيفية حل المسائل أصعب بكثير مما لو أعطيتك حلولًا مفصلة تشرح جميع الخطوات التي يجب اتباعها».
ومع تزايد قيمة مسارات الاستدلال، أصبح الوصول إلى مخرجات الذكاء الاصطناعي أكثر حساسية، لأنها قد تكشف بعض الأساليب التي تستخدمها الأنظمة المتقدمة لمعالجة المشكلات المعقدة.
من يستخدم تقطير النماذج؟
تقطير النماذج تقنية تدريب مستخدمة على نطاق واسع في الذكاء الاصطناعي، ولا تُعد ممارسة غير سليمة في حد ذاتها.
واستخدمها باحثون وشركات أميركية منذ فترة طويلة، بما في ذلك مشروع «ألباكا» في جامعة ستانفورد وأبحاث «أوركا» التابعة لمايكروسوفت، والتي اعتمدت على مخرجات نماذج أكثر تقدمًا لتحسين نماذج أصغر.
كما استخدم باحثون صينيون مخرجات نماذج أميركية في مشاريع بحثية متاحة للعامة، بما في ذلك جهود لإنشاء نماذج للتعليمات باللغة الصينية.
ويكمن الاختلاف الأساسي في طريقة الوصول؛ فالنماذج ذات الأوزان المفتوحة تتيح للباحثين الاطلاع على المعلمات الأساسية وتعديلها، بينما تظل النماذج المغلقة، مثل «تشات جي بي تي» من أوبن إيه آي و«كلود» من أنثروبيك، تحت سيطرة الشركات المطورة لها، ويتم الوصول إليها عادة عبر واجهات مملوكة أو واجهات برمجة التطبيقات.
لماذا أصبح تقطير النماذج قضية أميركية-صينية؟
لا يدور الجدل حول تقطير النماذج في حد ذاته، وإنما حول استخراج القدرات دون تصريح.
وتقول شركات الذكاء الاصطناعي إن هناك فرقًا بين البحث المشروع وبين جمع مخرجات النماذج المملوكة بشكل منهجي بهدف محاكاة قدرات ذات قيمة تجارية.
واتهمت أنثروبيك جهات صينية، من بينها ديب سيك ومونشوت وميني ماكس، بتنفيذ حملات واسعة النطاق للحصول على قدرات من نماذج «كلود».
وقالت الشركة إن تلك الجهود استهدفت قدرات تشمل هندسة البرمجيات والاستدلال المتقدم.
كما قالت أوبن إيه آي إنها رصدت محاولات من جهات صينية لاستخدام نماذجها لأغراض مرتبطة بتقطير النماذج.
ولم تتهم أي شركات صينية حتى الآن منافسين أميركيين بتقطير نماذج مغلقة المصدر.
(رويترز)




