
وتشير بيانات السوق إلى أن المشكلة لم تعد مجرد اضطراب دوري يمكن تجاوزه خلال بضعة أشهر، بل تحولت إلى إعادة توزيع طويلة الأمد للطاقة الإنتاجية، إذ تُمنح شركات الذاكرة الأولوية للرقائق الأعلى ربحية المستخدمة في خوادم الذكاء الاصطناعي، على حساب المكونات التقليدية المستخدمة في الأجهزة الاستهلاكية، بحسب تقرير لشبكة CNN.
مراكز البيانات تزاحم المستهلكين على الرقائق
تعتمد خوادم الذكاء الاصطناعي على كميات ضخمة من الذاكرة عالية النطاق الترددي (HBM)، إلى جانب شرائح (DRAM) ذات السعات المرتفعة، لتدريب النماذج وتشغيل خدماتها والاستجابة لملايين الطلبات في الوقت نفسه.
وقالت مؤسسة البيانات الدولية (IDC) إن كبار المصنعين أعادوا توجيه جزء متزايد من خطوط الإنتاج من رقائق (DRAM) و(NAND) التقليدية المستخدمة في الهواتف والحواسيب نحو ذاكرة مراكز البيانات، معتبرةً أن السوق يشهد «إعادة تخصيص استراتيجية» للطاقة الإنتاجية وليس مجرد نقص مؤقت بين العرض والطلب. وتتوقع المؤسسة ألا يتجاوز نمو إمدادات (DRAM) و(NAND) خلال 2026 نحو 16% و17% على الترتيب، وهي معدلات لا تكفي لمجاراة الطلب المتسارع.
وأصبحت شركات الإلكترونيات أمام ثلاثة خيارات جميعها مكلف، وهي تمرير الزيادة إلى المستهلك، أو قبول تراجع هوامش الأرباح، أو تقليص سعة الذاكرة ومواصفات الأجهزة.
وتزداد حدة الأزمة لأن بناء مراكز البيانات يتطلب خوادم تحتوي على كميات هائلة من الذاكرة مقارنة بالأجهزة الشخصية، وفق صحيفة وول ستريت جورنال.
وتسيطر سامسونغ و(SK Hynix) و(Micron) على الجزء الأكبر من صناعة ذاكرة (DRAM) العالمية، ما يجعل قدرة السوق على إضافة إمدادات جديدة مرتبطة بخطط استثمارية معقدة ومصانع يستغرق تشغيلها سنوات.
وفي المقابل، تستفيد الشركات الثلاث من الأسعار المرتفعة والعقود طويلة الأجل التي تعرضها شركات الذكاء الاصطناعي لضمان الإمدادات.
ودفع نقص الذاكرة الحاد أرباح شركات مثل سامسونغ و(SK Hynix) إلى مستويات قياسية، لكنه أثار في الوقت نفسه مخاوف المستثمرين من أن يؤدي التوسع المفرط في المصانع إلى تخمة جديدة وانهيار الأسعار لاحقًا، في تكرار للدورات التاريخية الحادة التي تميز صناعة الذاكرة، بحسب فايننشال تايمز.

أزمة نقص الرقائق وبطاقات الذاكرة تضرب أسعار الأجهزة الإلكترونية (شترستوك)
أبل وأجهزة الألعاب في واجهة موجة الأسعار
ظهرت آثار الأزمة بوضوح في يونيو حزيران الماضي، عندما رفعت أبل أسعار عدد من أجهزة ماك وآيباد، قائلة إنها لم تعد قادرة على حماية المستهلكين من الزيادات الكبيرة في أسعار الذاكرة والتخزين.
وارتفع السعر الابتدائي لجهاز (MacBook Neo) من 599 إلى 699 دولارًا، بينما زاد سعر (MacBook Air) المزود بسعة تخزين تبلغ 512 غيغابايت من 1099 إلى 1299 دولارًا، وارتفع (MacBook Pro) بسعة تيرابايت واحد من 1699 إلى 1999 دولارًا، كما زاد سعر (iPad Air) بسعة 128 غيغابايت من 599 إلى 749 دولارًا، وفق رويترز.
وكان الرئيس التنفيذي لأبل تيم كوك قد قال لصحيفة وول ستريت جورنال إن زيادات الأسعار أصبحت «لا مفر منها»، بعدما حصلت ذاكرة خوادم الذكاء الاصطناعي على حصة متزايدة من الإنتاج العالمي، تاركةً كميات أقل للأجهزة الاستهلاكية. وأكد أن الشركة مستعدة لاستخدام ميزانيتها للمساعدة في تأمين إمدادات إضافية، لكنها لا تعتزم بناء مصانع ذاكرة خاصة بها.

متجر تابع لشركة أبل الأميركية (شترستوك)
وامتدت الزيادات إلى سوق الألعاب، إذ رفعت سوني السعر الأميركي لجهاز (PlayStation 5) القياسي بمقدار 100 دولار إلى 649.99 دولار، بينما قررت نينتندو زيادة سعر (Switch 2) في الولايات المتحدة بنحو 50 دولارًا إلى 499.99 دولار. وتقدّر نينتندو أن
كما أعلنت مايكروسوفت أن أسعار أجهزة إكس بوكس سترتفع عالميًا اعتبارًا من الأول من أغسطس آب 2026، بواقع 100 دولار للطرازات المزودة بسعة 512 غيغابايت، و150 دولارًا لطرازات تيرابايت واحد، مع وقف بيع النسخة ذات سعة تيرابايتين.
وقالت الشركة إن أسعار مكونات التخزين والذاكرة تضاعفت بأكثر من 2.5 مرة، متوقعةً تضاعفها مجددًا بحلول خريف 2027.
وفي مذكرة نشرتها منصة (Xbox Wire)، وصفت الرئيسة التنفيذية لإكس بوكس آشا شارما الوضع بأنه «أزمة في مكونات الأجهزة»، مشيرةً إلى أن تكلفة مكونات تخزين أجهزة الألعاب قد تتجاوز خلال موسم عطلات 2027 خمسة أمثال مستوياتها قبل عامين، وأن نقص الإمدادات يمنع الشركة من إنتاج العدد الذي يرغب اللاعبون في شرائه.
قفزة في أسعار الذاكرة
تعكس الزيادات في أسعار الأجهزة التحول السريع في سوق الرقائق نفسها، ووفق بيانات نقلتها رويترز عن مؤسسة (TrendForce)، ارتفعت أسعار ذاكرة DRAM بما يصل إلى 98% خلال الربع الأول من 2026، مع توقعات بزيادة إضافية تتراوح بين 58% و63% في الربع الثاني.
وحذرت مورغان ستانلي من امتداد ما وصفته بـ«تضخم الرقائق» من مراكز البيانات إلى الاقتصاد الأوسع، مع اضطرار مصنعي الهواتف والحواسيب للاختيار بين زيادة الأسعار أو التضحية بجزء من هوامش الأرباح.
كما حذرت اتحادات تمثل شركات التجزئة والسيارات والإلكترونيات في الولايات المتحدة من أن النقص قد يؤدي إلى زيادات كبيرة في أسعار السلع وتعطيل سلاسل التوريد.
وترى مجلة فوربس أن الأثر الأكبر سيقع على الأجهزة الاقتصادية، لأن تكلفة الذاكرة تمثل نسبة أعلى من إجمالي تكلفة تصنيع الهاتف أو الحاسوب منخفض السعر، بينما تتمتع الشركات التي تبيع منتجات فاخرة بمساحة أكبر لرفع الأسعار أو امتصاص جزء من الزيادة.
شحنات أقل وأسعار أعلى
من المتوقع أن تعيد أزمة الذاكرة تشكيل سوق الأجهزة خلال السنوات المقبلة، ليس فقط عبر الأسعار، بل من خلال تقليص عدد المنتجات المتاحة واختفاء بعض الفئات الاقتصادية
وتتوقع مؤسسة البيانات الدولية (IDC) انخفاض شحنات الحواسيب الشخصية عالميًا بنسبة 11.3% خلال 2026، مع احتمال وصول الانخفاض السنوي إلى 20% في الربع الأخير. وفي الوقت نفسه، يُتوقع ارتفاع متوسط أسعار الحواسيب بنحو 18.3%، بينما ستنخفض شحنات الأجهزة اللوحية بنسبة 8.6%.
أما سوق الهواتف الذكية، فتواجه أكبر انكماش في تاريخها، إذ تتوقع المؤسسة انخفاض الشحنات بنسبة 13.9% إلى 1.09 مليار جهاز خلال 2026، مع ارتفاع متوسط سعر البيع إلى مستوى قياسي يبلغ 550 دولارًا، مقابل نحو 450 دولارًا في العام السابق.
وستكون منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا من أكثر الأسواق تضررًا، مع توقع انخفاض شحنات الهواتف بنسبة 23%، بسبب اعتماد المنطقة بدرجة أكبر على الأجهزة التي يقل سعرها عن 200 دولار، وهي الفئة التي تعاني أكثر من ارتفاع تكلفة المكونات وضيق هوامش الربح.
وفي أحدث مؤشر على تباطؤ الطلب، أظهرت تقديرات نقلتها رويترز في 13 يوليو تموز أن شحنات الهواتف الذكية العالمية تراجعت 11% خلال الربع الثاني من 2026 إلى أدنى مستوى لهذا الربع منذ 2013، بعدما أدى ارتفاع الأسعار إلى إضعاف مشتريات المستهلكين. واستطاعت أبل مخالفة الاتجاه بزيادة شحناتها 3% والحفاظ مؤقتًا على أسعار آيفون دون تغيير.
ورغم انخفاض عدد الأجهزة المبيعة، فقد لا تتراجع إيرادات الشركات بالقدر نفسه، إذ يمكن لرفع الأسعار والتركيز على المنتجات الفاخرة تعويض جانب من فقدان المبيعات.
وتتوقع مؤسسة البيانات الدولية (IDC) ارتفاع القيمة الإجمالية لسوق الهواتف الذكية بنسبة 3.8% خلال العام، رغم الانكماش القياسي في عدد الوحدات.
هل تختفي الأجهزة الرخيصة؟
تكمن الخطورة الأكبر في احتمال تحول الأجهزة الرخيصة من منتجات منخفضة الربحية إلى منتجات غير قابلة للتصنيع اقتصاديًا.
وذكرت صحيفة ذا غارديان أن الذاكرة قد تمثل نحو 30% من تكلفة الهاتف الاقتصادي و23% من تكلفة الحاسوب المحمول منخفض السعر، ما يقلص قدرة الشركات على امتصاص الزيادة.
ونقلت الصحيفة عن مؤسسة (Gartner) توقعها اختفاء فئة الحواسيب التي يقل سعرها عن 500 دولار تقريبًا بحلول 2028، ما لم تتراجع أسعار المكونات بدرجة كبيرة.
كما أشار تقرير لبيزنس إنسايدر إلى أن الذاكرة أصبحت تمثل ما يصل إلى 60% من تكلفة تصنيع بعض الهواتف التي يقل سعرها عن 400 دولار، وأكثر من 64% في الهواتف شديدة الانخفاض التي تقل أسعارها عن 100 دولار، ما يدفع الشركات إلى إلغاء بعض الطرازات أو الانتقال إلى شرائح سعرية أعلى.
ولا يُتوقع أن تتأثر الأجهزة القابلة للارتداء وسماعات الأذن اللاسلكية بالدرجة نفسها، لأنها تستخدم كميات أقل من الذاكرة مقارنة بالحواسيب والهواتف والأجهزة اللوحية ومنصات الألعاب، وفق تقديرات الخبراء التي أوردتها (CNN).
متى تنتهي الأزمة؟
لا يوجد اتفاق كامل بشأن توقيت عودة التوازن إلى السوق، وتتوقع مؤسسة البيانات الدولية (IDC) عدم حدوث تحسن ملموس قبل نهاية 2027، على أن يبدأ الاستقرار الأوسع في 2028، لكنها تحذر من أن أسعار الحواسيب قد لا تعود إلى مستويات 2025 حتى بعد زيادة الطاقة الإنتاجية.
وتبدو تقديرات شركات الذاكرة أكثر تحفظًا، إذ قال الرئيس التنفيذي لـSK Hynix إن النقص قد يصل إلى ذروته في 2027، وإن الطلب يمكن أن يظل أعلى من العرض إلى ما بعد 2030. وفي المقابل، يرى محللون أن إضافة طاقات جديدة قد تقلب السوق لاحقًا إلى فائض في المعروض، ما يفسر حذر المستثمرين تجاه استمرار الأرباح الاستثنائية للشركات المنتجة.
ويرجع بطء الحل إلى أن تشغيل مصنع جديد لأشباه الموصلات لا يقتصر على بناء المنشأة، بل يتطلب تركيب معدات فائقة الدقة، واختبار خطوط الإنتاج ورفع معدلات العائد والجودة تدريجيًا، وهي عملية قد تستغرق عدة سنوات قبل الوصول إلى إنتاج تجاري واسع.
هل يجب الشراء الآن؟
يرى خبراء تحدثوا إلى CNN أن المستهلك الذي يحتاج بالفعل إلى حاسوب أو جهاز ألعاب قد يكون من الأفضل له الشراء قبل انتقال المزيد من زيادات تكلفة الذاكرة إلى أسعار التجزئة، خصوصًا أن انخفاض أسعار المكونات، عند حدوثه، قد يحتاج عامًا أو أكثر حتى يظهر في المنتجات النهائية.
لكن القرار يعتمد أيضًا على دورة إطلاق المنتج؛ فشراء جهاز آيباد أو ماك قبل أسابيع من طرح جيل جديد قد يعني دفع سعر مرتفع مقابل جهاز سيصبح أقدم سريعًا، بينما تميل أبل إلى إطلاق هواتف آيفون في سبتمبر/أيلول، وأجهزة آيباد وماك خلال الربيع أو الخريف، في حين تطلق سامسونغ هواتف غالاكسي الرئيسية عادةً في الربع الأول، وغوغل هواتف بيكسل خلال الصيف.
ولا تزال أسعار آيفون الحالية مستقرة نسبيًا، لكن محللين يتوقعون أن تضطر أبل إلى رفعها عند إطلاق الأجيال المقبلة.
وقدرت (TechInsights) أن تكلفة الذاكرة والتخزين في هواتف آيفون الجديدة يمكن أن تدفع سعر بعض الطرازات الاحترافية إلى نطاق يتراوح بين 1299 و1500 دولار إذا سعت الشركة إلى الحفاظ على هوامشها الحالية.
الأجهزة المجددة والإصلاح بديلان أقل تكلفة
يمكن للمستهلكين تقليل أثر ارتفاع الأسعار عبر شراء أجهزة مجددة معتمدة من الشركات أو المتاجر الكبرى، وهي منتجات تُفحص وتُختبر قبل إعادة بيعها، وغالبًا ما تتضمن ضمانًا محدودًا.
كما قد يكون تغيير البطارية، أو إصلاح الشاشة، أو استخدام التخزين السحابي، أو إضافة وحدة تخزين خارجية أقل تكلفة من استبدال الجهاز بالكامل. وأوصت ذا غارديان المستهلكين بالنظر في الطرازات الأقدم أو المجددة وإصلاح أجهزتهم الحالية، مع الحذر من شراء جيل قديم للغاية يقترب من نهاية فترة تحديثاته الأمنية.
وفي المحصلة، تكشف أزمة الذاكرة عن تكلفة غير مباشرة لطفرة الذكاء الاصطناعي: فبينما تتنافس شركات التكنولوجيا على بناء مراكز بيانات أكبر ونماذج أكثر قدرة، يتحمل المستهلك جزءًا من الفاتورة في صورة أجهزة أعلى سعرًا، وخيارات أقل، وفترات أطول بين عمليات الترقية.
وحتى تبدأ المصانع الجديدة في الإنتاج بالحجم المطلوب، يُرجح أن يظل سوق الإلكترونيات محكومًا بمعادلة جديدة، وهي وحدات أقل تُباع بأسعار أعلى، مع انتقال القوة من شركات تصنيع الأجهزة إلى عدد محدود من منتجي الذاكرة الذين أصبحوا يمتلكون واحدًا من أكثر المكونات طلبًا في الاقتصاد الرقمي.
(ليزا إيديسيكو CNN)




