شؤون عربية ودولية

قيادة النمو.. حتميتها الآن في عصر الاضطراب : CNN الاقتصادية



تواصل منطقة الخليج ترسيخ مكانتها كوجهة عالمية رائدة في مجالات حيوية كالاستثمار والتقنيات المتقدمة والطاقة، وعلى الرغم من التحديات التي شهدتها المنطقة في الفترة الأخيرة، فإن النقاش لم يعد يدور حول إمكانية التعافي، بل حول وتيرة استعادة الزخم والانطلاق نحو مرحلة جديدة من النمو، مدفوعةً بأسس متينة ومرتكزات هيكلية قوية.

تكمن تعقيدات هذه المرحلة في تزامن عدد من القوى المؤثرة وتشابكها؛ فبينما تواجه الشركات تداعيات الاضطرابات الجيوسياسية، تجد نفسها مطالبة في الوقت ذاته بالتكيف مع التحولات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي، والتغيرات في أنماط التجارة، فضلًا عن التعقيدات المتزايدة في سلاسل الإمداد.

وهنا، لا تعمل هذه الضغوط بمعزل بعضها عن بعض، بل تتشابك وتتداخل بشكلٍ متزايد، بما يعيد تشكيل استراتيجيات النمو لدى الشركات ويؤثر في توجهاتها الاستثمارية وآليات صنع القرار فيها. ومن هذا المنطلق، بدأنا في أليكس بارتنرز رصد هذه الاضطرابات ومتابعة تطوراتها منذ سبع سنوات، إيمانًا منا بأن فهم أبعادها وتحليل تداعياتها بات اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى.

وفي ضوء ذلك، تكشف أحدث نسخة من مؤشر أليكس بارتنرز حول القوى المسببة للاضطراب عن تحولات ملموسة في عقلية القادة ونمط تفكيرهم؛ إذ تراجع متوسط المؤشر العالمي للاضطراب -المستند إلى استطلاع رأي شمل أكثر من 3,200 مسؤول تنفيذي عبر 11 دولة و10 قطاعات- بمقدار ثلاث نقاط، لينخفض من 73 نقطة في عام 2025 إلى 70 نقطة في عام 2026.

ويحمل هذا التراجع دلالة جوهرية؛ فلم يعد المديرون التنفيذيون ينظرون إلى الاضطراب كصدمة عارضة يمكن تجاوزها، بل كواقع تشغيلي دائم يفرض تبني استراتيجيات متخصصة للتعامل معه والتكيف مع معطياته.

ولا يظهر هذا التحول بوضوح أكبر مما هو عليه في منطقة الخليج؛ إذ أكدت حكومات المنطقة على أهمية الركائز الأساسية، وفي مقدمتها: وضوح التوجه، والانضباط في التنفيذ، وتسريع وتيرة اتخاذ القرار، والتركيز على العوامل القابلة للتحكم. وقد ساهم هذا النهج في تعزيز الاستقرار الاقتصادي العام، وتوفير الثقة اللازمة للشركات لمواصلة خططها الاستثمارية.

تُظهر بياناتنا التوجه ذاته؛ إذ أشار 77% من المديرين التنفيذيين الذين شملهم استطلاعنا في المنطقة إلى أن تحول الأعمال قد أصبح جزءًا لا يتجزأ من منهجية عملهم، وليس مجرد مشروع محدود بإطار زمني ونقطة نهاية.

تحمل هذه الممارسة دلالة جوهرية؛ إذ تعمل شركات الأعمال في الخليج اليوم على ترسيخ القدرة على التكيف كركيزةٍ أساسية في صميم عملياتها التشغيلية.

من زاوية تحليلية، ما يُميّز المنطقة حقًا هو دخولها هذه المرحلة مدعومةً باستراتيجيات وطنية طويلة الأمد قيد التنفيذ، وتضافر الجهود الحكومية، ووفرة رؤوس الأموال، فضلًا عن وجود بنية تحتية تتفوق على نظيراتها في معظم الأسواق العالمية. وقد باتت هذه القاعدة المتينة ضرورةً ملحة، لا سيما في ظل تحوّل الجاهزية والاستعداد إلى ميزة تنافسية بحد ذاتها.

وفي هذا الإطار، إنّ الفارق بين الشركات التي تنمو وتلك التي تتعثر يتحدد بالقرارات التي يتخذها القادة اليوم، لا بالظروف المفروضة عليهم.. فالنمو، بعبارة موجزة، خيارٌ استراتيجي.

لكن، ما هي «الخطوات التي لا ندم عليها» —كما نُسميها في أليكس بارتنرز— التي يمكن للقادة الناجحين اتخاذها اليوم؟ إنها خطوات عملية قصيرة الأجل، تدعم الرؤى الاستراتيجية بعيدة المدى، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:

1.tتطوير قاعدة مالية مرنة تشمل: الميزانية العمومية، وبيان الأرباح والخسائر، والتدفقات النقدية؛ بحيث تكون قادرة على استيعاب الصدمات، وخاضعة لاختبارات ضغط دقيقة وفق سيناريوهات اضطراب متعددة.

2.tبناء مؤسسات مرنة تتمحور حول جوهر أعمالها ومدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي؛ حيث تستند إلى نقاط قوتها لضمان استجابة منسقة وفاعلة في التعامل مع أي اضطرابات.

3.tبناء قاعدة توريد مرنة وتنافسية، مدعومة باحتياطيات استراتيجية من المخزون، بما يضمن القدرة على الاستجابة لاضطرابات سلاسل الإمداد في الوقت الفعلي.

4.tتطوير رؤية تشغيلية متكاملة، مدعومة بآليات تسعير ديناميكية قادرة على الموازنة الدقيقة بين حماية هوامش الربح وتحفيز النمو، مع ضمان التكيف الفوري مع تقلبات تكاليف المدخلات، وتحديات سلاسل الإمداد، ونقص توفر المنتجات في مختلف السيناريوهات.

5.tتطوير نماذج متنوعة للوصول إلى الأسواق تضمن استمرارية توفير المنتجات للعملاء في مختلف الاضطرابات.

6.tاستثمار الفرص الناتجة عن حالات الاضطراب وعدم توازن العرض والطلب، لفتح آفاق جديدة للنمو.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الاستثمار في هذه المجالات، قد يتطلب أعباءً مالية إضافية، ما يفرض تحديات كبيرة في ظل المشهد المالي الحالي. وعليه، تبرز ضرورة تبني المؤسسات لثقافة إدارية مرنة تدرك أهمية ترشيد التكاليف، مع اتخاذ خطوات حاسمة لتحرير الموارد ورؤوس الأموال من الأنشطة ‘غير الرئيسية’، بما يضمن الانتقال الناجح نحو نماذج أعمال تتسم بالمرونة والقدرة على التكيف مع المتغيرات.

وختامًا، إن القادة الأكثر قدرة على تجاوز هذه المرحلة هم من يبادرون باتخاذ إجراءات استباقية بدلًا من الانتظار، ويتمسكون برؤية واضحة وسط التعقيدات الجيوسياسية، أو اضطرابات سلاسل الإمداد، أو التطورات التكنولوجية المتسارعة. فالتحدي الحقيقي الآن ليس في انتظار استقرار الأوضاع، بل في صياغة قرارات حاسمة تضمن نمو الأعمال وتطورها في مواجهة مختلف التحديات.

تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثل آراء الكاتب فقط، ولا تعكس أو تمثل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى