

تتطور الأسواق عادة عبر مسارين متوازيين: مسار المنتجات، ومسار المهن التي تساعد الأفراد والمؤسسات على استخدام هذه المنتجات بصورة صحيحة. فإذا تطور المسار الأول دون الثاني، يصبح السوق أكثر اتساعاً من حيث المعروض، لكنه لا يصبح بالضرورة أكثر كفاءة من حيث القرار.
هذه الفجوة تبدو واضحة عند المقارنة بين سوقين مهمين في المملكة العربية السعودية: السوق العقارية والسوق المالية. ففي السوق العقارية، نجحت الهيئة العامة للعقار في إعطاء مهنة الوساطة العقارية هوية تنظيمية واضحة: نظام، وترخيص، ومنصة، وعقد وساطة، والتزامات، وخدمات مرتبطة بالممارسة المهنية نفسها. أما في السوق المالية، فرغم التطور الكبير في المنتجات، والإدراجات، والصناديق، وأدوات الدين، والتراخيص، لا تزال مهنة إدارة الثروات غير حاضرة بالوضوح نفسه كطبقة مستقلة داخل سلسلة القيمة.
هذه ليست ملاحظة شكلية، إنها مسألة تمس جودة قرارات الأفراد، كفاءة تخصيص رأس المال، وتعميق جانب الشراء في السوق المالية السعودية.
الخلط بين سلسلة الإمداد وسلسلة القيمة
جزء من الإشكال يبدأ من خلط شائع بين سلسلة الإمداد وسلسلة القيمة؛ سلسلة الإمداد تُعنى بكيفية انتقال المنتج أو الخدمة من المنتج إلى المستهلك. أما سلسلة القيمة فتسأل سؤالاً أعمق: أين تُخلق القيمة؟ أين تُخفض المخاطر؟ أين يتحسن القرار؟ وأين تنشأ الثقة والمساءلة؟
وفق هذا التفريق، لا يمكن النظر إلى الوسيط العقاري أو مدير الثروة باعتبارهما مجرد «قناة توزيع». الوسيط العقاري لا يضيف قيمته فقط لأنه يقرّب البائع من المشتري، بل لأنه في صورته المهنية يساعد على التسعير، والتفاوض، وتقليل عدم تماثل المعلومات، وتسهيل إغلاق الصفقة. وكذلك مدير الثروة لا يضيف قيمته لأنه يبيع صندوقاً أو منتجاً استثمارياً، بل لأنه يحول الأصول والالتزامات والأهداف والمخاطر والتدفقات النقدية إلى خطة مالية واستثمارية مناسبة.
المشكلة تبدأ عندما يتعامل التنظيم أو السوق مع هذه المهن كجزء من «الإمداد» لا كجزء من «القيمة»، عندها يصبح الوسيط مجرد تكلفة، ومدير الثروة مجرد بائع، والمنصة الرقمية مجرد قناة محايدة.. وهذه قراءة ناقصة وخطرة.
لماذا نجح تنظيم الوساطة العقارية؟
في العقار، اتخذ التنظيم مساراً واضحاً؛ نظام الوساطة العقارية عرّف الوساطة بأنها ممارسة نشاط التوسط في إتمام صفقة عقارية بين أطرافها مقابل عمولة، كما جعل للهيئة العامة للعقار دوراً مباشراً في تنظيم النشاط والإشراف عليه. وتشير الهيئة إلى أن النظام يهدف إلى تحسين السوق العقاري، وحماية المستفيدين، وضمان نزاهة الممارسين، وتعزيز الثقة في السوق.
الأهم من ذلك أن الهيئة العامة للعقار لم تكتفِ بتنظيم الأصل العقاري أو الصفقة العقارية، بل بنت حول الوسيط نفسه منظومة مهنية وتشغيلية.. منصة “فال” مثلاً تقدم خدمات مرتبطة برخص الوساطة، وعقود الوساطة، والإعلانات العقارية، والاستعلام عن الوسطاء. هذا يعني أن الوسيط أصبح ظاهراً للعميل والمنظم والسوق كفاعل مهني له هوية والتزامات وأدوات رقابة.
هذا لا يعني أن سوق الوساطة العقارية أصبح مثالياً، ما زالت هناك تحديات في الجودة، والممارسة، والتسويق، وتضارب المصالح. لكن الفرق أن المهنة نفسها أصبحت معترفاً بها كجزء من بنية السوق.. وهذا الاعتراف مهم لأنه لا يحمي الوسيط فقط، بل يحمي العميل والسوق من الوساطة غير المنظمة.
أين تقف هيئة السوق المالية؟
في المقابل، قامت هيئة السوق المالية بعمل كبير في تطوير السوق المالية من زاوية التنظيم، والإدراج، والترخيص، والإفصاح، والمنتجات، والصناديق، وأدوات الدين. وتوضّح الهيئة أن دورها يتمثل في الإشراف على تنظيم وتطوير السوق المالية وإصدار اللوائح والقواعد والتعليمات اللازمة لتطبيق نظام السوق المالية، بهدف توفير المناخ الملائم للاستثمار وزيادة الثقة بالسوق.
كما أن الخطة الاستراتيجية لهيئة السوق المالية 2024–2026 تشير إلى طموح جعل السوق المالية السعودية مصدرًا رئيسيًا للتمويل والاستثمار لتنمية الاقتصاد الوطني. وهذا توجه صحيح ومهم
لكن الإشكال ليس في غياب التنظيم، بل في زاوية التنظيم. فالإطار الحالي يبدو أكثر وضوحاً في تنظيم المؤسسات، المنتجات، والطروحات، وإدارة الاستثمارات، وتقديم المشورة، والترتيب، لكنه أقل وضوحاً في بناء «مهنة إدارة الثروات» كطبقة مستقلة تمثل جانب المشتري. ولذلك، يظهر مدير الثروة غالباً داخل مؤسسة مالية أو نشاط مرخص، لا كمهنة قائمة بذاتها في الوعي التنظيمي والعام.
الفرق بين جانب البيع وجانب الشراء
لفهم الخلل، يجب التمييز بين جانب البيع وجانب الشراء في السوق المالية.
| جانب الشراء Buy Side | جانب البيع Sell Side | العنصر |
|---|---|---|
| تمثيل مصلحة المستثمر واتخاذ قرار الشراء المناسب | صناعة المنتجات، وترتيبها، وتوزيعها، وتسويقها | الوظيفة الأساسية |
| مستثمرون، ومديرو ثروات، ومستشارون ومستقلون، وصناديق تقاعد | بنوك استثمار، ومديرو منتجات، وموزعون، ومنصات | الأطراف النموذجية |
| ملاءمة القرار، وجودة التخصيص، وحماية الثروة | بيع المنتج، وتنفيذ الصفقة، وجمع الأصول | معيار النجاح |
| ضعف الكفاءة المهنية أو غياب المساءلة | تضارب المصالح، ودفع المنتجات | الخطر الرئيسي |
| ماذا ينبغي أن يشتري العميل؟ | ماذا يمكن أن نبيع؟ | السؤال المركزي |
السوق المالية السعودية تطورت في جانب البيع بصورة أوضح: طروحات، وصناديق، وصكوك، ومنصات، ومنتجات، وموافقات.. هذا تطور مهم، لكنه غير كافٍ. فالسوق العميق لا يحتاج فقط إلى منتجات أكثر، بل يحتاج إلى مشترين أفضل تنظيمًا، وأكثر وعياً، وأكثر قدرة على اتخاذ قرارات طويلة الأجل.
وهنا يأتي دور مدير الثروة الحقيقي، فهو ليس مجرد منفذ أو موزع؛ هو الجهة التي تقف مع العميل في جانب الشراء، وتساعده على معرفة ما إذا كان المنتج مناسباً له أصلاً.
ماذا يحدث عند غياب مدير الثروة الحقيقي؟
عندما تغيب مهنة إدارة الثروات كطبقة واضحة في سلسلة القيمة، يدخل الفرد السوق كـ«مستهلك منتج» لا كـ«صاحب خطة مالية». يشتري صندوقاً لأنه شائع أو سهماً لأنه ارتفع أو صكاً لأنه يعطي عائداً أو منتجاً مهيكلاً لأنه يبدو جذاباً دون ربط ذلك بمركزه المالي، ودخله، والتزاماته، وحاجته إلى السيولة، وأفقه الزمني، وقدرته النفسية على تحمل الخسارة، أو أهدافه العائلية.
هذا ينتج عدة أضرار:
1. ارتفاع احتمالات سوء الملاءمة بين المنتج والعميل.
2. زيادة القرارات العاطفية وقت الصعود والهبوط.
3. تحول الاستثمار إلى شراء منتجات متفرقة لا إلى خطة ثروة.
4. ضعف الادخار طويل الأجل.
5. تآكل الثقة بالسوق عند أول تجربة سيئة.
6. زيادة قوة المنصات والمنتجات على حساب مصلحة العميل.
النتيجة أن السوق قد يبدو نشطاً من حيث التداول والمنتجات، لكنه ضعيف من حيث جودة القرار الاستثماري لدى الأفراد. وهذه مشكلة لا تظهر فوراً في المؤشرات، لكنها تظهر مع الوقت في سلوك المستثمرين، وعمق السوق، واستقرار الطلب المحلي.
لماذا المسألة وطنية لا مهنية فقط؟
قد يظن البعض أن الحديث عن إدارة الثروات هو دفاع عن مهنة معينة أو عن مصالح شركات محددة، وهذا غير دقيق؛ المسألة أوسع من ذلك.
رؤية السعودية 2030 وبرنامج تطوير القطاع المالي يستهدفان تطوير قطاع مالي متنوع وفاعل، وتحفيز الادخار والتمويل والاستثمار، وتطوير سوق مالية متقدمة، هذه الأهداف لا تتحقق بالمنتجات وحدها. فلا يكفي أن تتوفر الصكوك والصناديق والأسهم والمنصات إذا لم توجد طبقة مهنية تساعد الأفراد والعائلات على تحويل هذه الأدوات إلى قرارات مالية مناسبة.
الدولة تحتاج إلى جانب شراء محلي قوي؛ تحتاج إلى طلب مستقر وطويل الأجل على أدوات الدين، وصناديق الاستثمار، والأسهم، وبرامج الادخار. لكن هذا الطلب لا يبنى فقط عبر الإتاحة الرقمية أو حملات التوعية بل يبنى عبر مهنة تستطيع أن تقف بين العميل والسوق، لا لتمنع العميل من الاستثمار، بل لتساعده على الاستثمار بشكل صحيح.
الخطر الجديد.. المنصة كوسيط غير معلن
مع توسع التقنية والذكاء الاصطناعي، ستصبح المشكلة أكثر تعقيداً، فإذا لم يكن مدير الثروة واضحاً كوظيفة مهنية، ستنتقل هذه الوظيفة تدريجياً إلى المنصات والخوارزميات.
المنصة قد لا تسمي نفسها مستشاراً، لكنها قد تؤثر فعلياً في قرار العميل عبر ترتيب المنتجات، وإبراز خيارات معينة، وتصميم نموذج المخاطر، وإرسال تنبيهات، أو اقتراح محافظ جاهزة.. هنا لا تختفي الوساطة، بل تتحول من وسيط بشري يمكن مساءلته إلى وسيط رقمي أقل وضوحاً.
هذه هي النقطة التنظيمية الحساسة إذا أثرت المنصة في قرار العميل، فهي لا تعود مجرد قناة تقنية محايدة، يجب أن تُعامل باعتبارها جزءاً من سلسلة القيمة، وأن تخضع لمنطق الملاءمة، والإفصاح، وتضارب المصالح.
ماذا يمكن أن تتعلم هيئة السوق المالية من هيئة العقار؟
ليس المطلوب نسخ تجربة هيئة العقار حرفياً؛ السوق المالية أكثر تعقيداً وحساسية من العقار، وتضارب المصالح فيها أشد. لكن يمكن الاستفادة من الفكرة التنظيمية العامة: الاعتراف بالمهنة لا بالمنتج فقط.
هيئة العقار أعطت الوسيط هوية واضحة في السوق؛ هيئة السوق المالية تحتاج إلى خطوة مشابهة تجاه إدارة الثروات، لكن بصيغة تناسب طبيعة السوق المالية.. المطلوب إطار يفرق بوضوح بين:
| الوظيفة | الدور |
|---|---|
| إدارة صندوق أو محفظة وفق سياسة استثمارية | مدير الأصول |
| تسويق أو بيع منتجات مالية | موزع المنتجات |
| تقديم توصية أو مشورة محددة | المستشار الاستثماري |
| بناء خطة مالية واستثمارية شاملة للعميل | مدير الثروة |
| قناة أو نظام قد يتحول إلى مؤثر فعلي في القرار | المنصة الرقمية/الذكاء الاصطناعي |
هذا التفريق مهم لأنه يمنع خلط «النصيحة» بـ«البيع»، و«إدارة الثروة» بـ«توزيع المنتج»، و«المنصة» بـ«الأداة المحايدة».
ما الذي ينبغي تغييره؟
الإصلاح لا يتطلب بالضرورة إنشاء جهاز جديد أو تعقيد السوق بمزيد من الإجراءات.. المطلوب بداية هو وضوح المفهوم.
يمكن التفكير في خمسة مسارات:
1. تعريف تنظيمي أوضح لمهنة إدارة الثروات
بحيث لا تختزل في إدارة استثمارات أو تقديم مشورة منفصلة، بل تشمل بناء خطة مالية واستثمارية مرتبطة بأهداف العميل ومخاطره وتدفقاته.
2. معايير ملائمة أكثر عمقاً
لا تكتفي بنموذج مخاطر عام، بل تربط المنتج بوضع العميل المالي والائتماني والعائلي والزمني.
3. فصل أوضح بين البيع والنصيحة
حتى يعرف العميل متى يتعامل مع موزع منتج، ومتى يتعامل مع طرف يقف في جانبه.
4. تنظيم المنصات التي تؤثر في القرار
خصوصًا إذا كانت ترتب المنتجات أو تقترح محافظ أو تستخدم الذكاء الاصطناعي في توجيه العميل.
5. بناء هوية مهنية عامة لمدير الثروة
كما بُنيت هوية الوسيط العقاري، لا لحماية الأشخاص، بل لحماية الوظيفة الاقتصادية نفسها.
خاتمة
السوق المالية السعودية قطعت شوطاً كبيراً في بناء المنتجات والبنية التحتية والتنظيم المؤسسي، لكن المرحلة القادمة تتطلب سؤالاً مختلفاً: مَن يقف في جانب المشتري؟
لا يكفي أن نزيد عدد المنتجات، ولا أن نوسع المنصات، ولا أن نرفع عدد الطروحات، إذا كان المستثمر الفرد لا يزال يواجه السوق كعميل مشتت أمام خيارات كثيرة.. السوق العميق لا يُبنى من جانب البيع فقط، بل يبنى أيضاً من جانب شراء مهني، واعٍ، ومنظم.
نجاح هيئة العقار في تنظيم الوساطة العقارية يقدّم درساً مهماً: الاعتراف بالمهنة كجزء من سلسلة القيمة يرفع جودة السوق. والسوق المالية تحتاج إلى الدرس نفسه، لكن بصيغة أكثر تطوراً وحساسية.
المطلوب ليس حماية مدير الثروة كوسيط تقليدي. المطلوب حماية وظيفة إدارة الثروة: الملاءمة، والتخطيط، وتخفيض عدم اليقين، وضبط السلوك، وربط المنتجات بحياة العميل الفعلية.
في النهاية، السوق المالية لا تحتاج فقط إلى من يبيع المنتج، بل إلى من يساعد المستثمر على معرفة ما إذا كان عليه شراؤه أصلًا.
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.




