شؤون عربية ودولية

كيف أحكم الحصار الأميركي قبضته على الصادرات النفطية الإيرانية؟ : CNN الاقتصادية



هل بدأ شريان النفط الإيراني بالاختناق فعلياً تحت ضغط الحصار البحري والتكدس غير المسبوق لناقلات النفط؟

هذا السؤال لم يعد افتراضياً بالكامل، بعد أن أظهرت بيانات الأقمار الصناعية تكدس عشرات الناقلات قرب جزيرة خرج، في إشارة قد تعكس تحولاً أعمق من مجرد اضطراب مؤقت في الشحن، نحو اختلال فعلي في قدرة إيران على تصدير نفطها بوتيرة مستقرة.

يشير التكدس غير المعتاد لناقلات النفط قرب جزيرة خرج، مركز التصدير النفطي الأهم في إيران، إلى تحوّل أعمق من مجرد تأخير لوجستي مؤقت، بل إلى اختناق تدريجي في منظومة التصدير تحت ضغط أمني وبحري متزايد في الخليج.

فارتفاع عدد الناقلات إلى نحو 23 ناقلة في منتصف مايو، مقارنة بأربع فقط في الشهر السابق، لا يعكس مجرد تغير في حركة الشحن، بل يسلّط الضوء على اختلال في توازن التدفق بين الإمدادات الصادرة وقدرة الموانئ على التفريغ والتحميل في آن واحد، وهو ما أدى فعلياً إلى تراكم النفط داخل منظومة التخزين الإيرانية.

وما تكشفه بيانات الأقمار الصناعية ليس مجرد ازدحام عابر، بل تعطّلاً في الدورة التشغيلية الكاملة من تحميل الخام، إلى مغادرة الناقلات، وصولاً إلى استقبال سفن جديدة.

خلو أرصفة تحميل النفط الخام في جزيرة خرج، بالتوازي مع امتلاء خزانات التخزين، يشير إلى نقطة ضغط مركزية ومهمة تشمل الآتي:

الإنتاج مستمر بوتيرة لا تتناسب مع قدرة التصدير الفعلية. هذا النوع من الاختلال عادة ما يسبق قرارات خفض إنتاج، وهو ما بدأت إيران فعلياً بالاتجاه إليه.

كما أن ظهور ناقلات راسية في محطات غاز البترول المسال، بدل الأرصفة النفطية التقليدية، يعكس إعادة توزيع اضطرارية للعمليات داخل الميناء، في محاولة لاستيعاب فائض غير قابل للتصدير.

أما عن البعد الجيوسياسي؛ الضغط البحري عامل مضاعف، فالتطورات الميدانية تتزامن مع تشديد أميركي على حركة الشحن في المنطقة، حيث أعادت القوات الأميركية توجيه 81 سفينة وعطلت أربعاً أخرى حتى منتصف مايو، ضمن إجراءات وصفت بأنها جزء من حصار بحري غير معلن على الموانئ الإيرانية.

سواء اعتُبرت هذه الإجراءات رقابة مشددة أو حصاراً فعلياً، فإن أثرها العملي يظهر في ارتفاع تكلفة المخاطر البحرية، وتأخير قرارات الإبحار، وتزايد فترات الانتظار في مناطق الرسو، وهو ما يترجم مباشرة إلى انخفاض كفاءة التصدير.

في أسواق النفط، لا يمكن فصل حركة الصادرات عن مستوى الإنتاج لفترات طويلة. فعندما تتعطل قدرة التصدير، تتحول المخزونات الداخلية إلى نقطة امتصاص مؤقتة، لكن امتلاءها يفرض ضغطاً عكسياً على الإنتاج نفسه.

هذا ما يظهر في حالة جزيرة خرج، حيث بدأت إيران، وفق المؤشرات التشغيلية، في خفض إنتاجها النفطي نتيجة تعذر استمرار دورة الشحن الطبيعية بين الناقلات المغادرة والقادمة.

بعبارة أخرى، الأزمة لم تعد في “نقل النفط” فقط، بل في “إمكانية إنتاجه أساساً” بالوتيرة السابقة نفسها.

التداعيات لا تبقى محصورة في إيران؛ فمخزونات النفط العالمية تتراجع بوتيرة أسرع، وفق تحذيرات وكالة الطاقة الدولية، ما يرفع حساسية السوق لأي اضطراب إضافي في الإمدادات.

ومع دخول عوامل موسمية مثل ارتفاع الطلب على الديزل والأسمدة خلال مواسم الزراعة والسفر، يصبح أي خلل في الإمدادات أكثر تأثيراً على التضخم العالمي، خصوصاً في أسعار الغذاء والطاقة.

الاقتصادات الآسيوية تظهر كأكثر المناطق تعرضاً لهذه الصدمة، نظراً لاعتمادها الكبير على استيراد النفط.. التراجع في تشغيل المصافي في الصين، وضغوط السندات في اليابان وكوريا الجنوبية، وتذبذب العملات في الهند وإندونيسيا، كلها مؤشرات على انتقال أثر أزمة الطاقة إلى النظام المالي الأوسع.

في المقابل، تتحرك بعض الدول نحو إعادة هندسة سلاسل الإمداد عبر تنويع مصادر الخام، ما يعكس تحولاً استراتيجياً طويل الأمد في جغرافيا الطاقة، وليس مجرد استجابة ظرفية.

بقلم: أسيل العرنكي- مديرة قسم الأبحاث والتحليل بشركة River Prime



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى