

لكن الخطة، التي حملت اسم «مشروع OT»، اصطدمت بمقاومة واسعة من الموظفين، وتراجع المعنويات، إلى جانب مؤشرات داخلية أظهرت أن أدوات الذكاء الاصطناعي الوكيلة لم تحقق بعد الزيادة المأمولة في الإنتاجية.
وفي الساعات التي سبقت تنفيذ أول موجة من التخفيضات في مايو، قرر الرئيس التنفيذي مارك زوكربيرغ إلغاء الموجة الثانية التي كان مخططاً لها في نوفمبر، في تحول يكشف صعوبة تحويل الطموحات الكبيرة بشأن الذكاء الاصطناعي إلى وفورات تشغيلية سريعة.
وتكتسب القصة أهمية تتجاوز «ميتا» نفسها، إذ تقدم اختباراً عملياً لرهان شركات التكنولوجيا الكبرى على أن الذكاء الاصطناعي لن يغير منتجاتها فحسب، بل سيعيد تشكيل طريقة عملها وعدد الموظفين الذين تحتاج إليهم.
وفي الوقت الذي تنفق فيه شركات التكنولوجيا عشرات ومئات المليارات على مراكز البيانات والرقائق والذكاء الاصطناعي، تزداد أهمية السؤال أمام المستثمرين: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي فعلاً خفض تكلفة التشغيل بالسرعة التي تبرر هذه الاستثمارات؟
«مشروع OT».. عندما يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من هيكل الشركة
بدأت فكرة المشروع في يناير، عندما اجتمع زوكربيرغ مع كبار المسؤولين التنفيذيين في الشركة خلال اجتماع للقيادة في هاواي. وكان الهدف هو إعادة تصور طبيعة العمل داخل «ميتا» في عصر الذكاء الاصطناعي، بحيث تتولى أدوات الذكاء الاصطناعي والأنظمة الوكيلة جزءاً كبيراً من المهام اليومية، بينما تشرف مجموعات أصغر من الموظفين ذوي المهارات العالية على هذه الأنظمة.
وفي سيناريوهات التخطيط، ناقش المسؤولون إمكانية خفض حجم العديد من الفرق بما يصل إلى 60%، على أن تشمل العملية تسريح بعض الموظفين ونقل آخرين إلى وحدات جديدة، إلى جانب إلغاء الوظائف الشاغرة والتخلص من بعض الوظائف التي ترى الشركة أن أداء شاغليها ضعيف.
وكانت الخطة الأصلية تستهدف تنفيذ إعادة الهيكلة على موجتين، تبدأ الأولى في مايو وتتبعها موجة أخرى في نوفمبر.
وكانت بعض السيناريوهات المطروحة تشير إلى أن حجم التخفيضات قد يقترب من التخفيضات التي نفذتها «ميتا» خلال موجة إعادة الهيكلة السابقة، عندما قلصت قوتها العاملة بنحو 25% خلال الفترة بين أواخر 2022 وأوائل 2023.
لكن الشركة تؤكد أن سيناريو خفض 60% كان يخص بعض الفرق فقط، وليس 60% من إجمالي موظفي «ميتا»، كما توضح أن الخطة شملت عمليات نقل للموظفين وإغلاق وظائف شاغرة إلى جانب التسريح.
فجوة بين إنتاجية الذكاء الاصطناعي والنتائج الفعلية
كان أحد أهم أسباب التراجع عن الخطة ظهور مؤشرات داخلية لا تتطابق مع التوقعات المتفائلة بشأن الإنتاجية، فقد ارتفعت التغييرات البرمجية التي ينتجها موظفو «ميتا» باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بنحو 220% على أساس سنوي، لكن التغييرات التي أدت بالفعل إلى إضافة أو تحسين خصائص تصل إلى مستخدمي منتجات الشركة ارتفعت بنحو 36% فقط.
ويعني ذلك أن زيادة حجم العمل الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي لا تعني بالضرورة زيادة مماثلة في القيمة الاقتصادية أو الإنتاجية. فإنتاج المزيد من الأكواد، على سبيل المثال، لا يحقق وفراً حقيقياً إذا احتاجت الفرق إلى وقت إضافي لمراجعتها أو إصلاح الأخطاء التي تسببها.
وظهرت أيضاً مشكلات مرتبطة بالاعتمادية والأمان. وتشير منشورات داخلية إلى ارتفاع الحوادث التقنية والأمنية الكبرى، مثل انقطاعات الخدمات واحتمالات تسرب البيانات، بنحو 40% مقارنة بالعام السابق، بينما ارتفع الوقت الذي يقضيه الموظفون في معالجة هذه المشكلات بنحو 70%.
فاتورة الذكاء الاصطناعي تضغط على المستثمرين
لا يمكن فصل إعادة الهيكلة عن الإنفاق الهائل الذي تتحمله «ميتا» لتوسيع بنيتها التحتية للذكاء الاصطناعي.
وتخطط الشركة لإنفاق ما لا يقل عن 130 مليار دولار خلال 2026 على رقائق الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية المرتبطة بها، فيما تشير تقديرات محللين استندت إليها بيانات «إل إس إي جي» إلى أن هذه الاستثمارات قد تستهلك التدفقات النقدية التشغيلية للشركة خلال العام.
وهذه المعادلة هي الأهم بالنسبة للمستثمرين. فارتفاع الإنفاق الرأسمالي على الذكاء الاصطناعي يمكن أن يدعم نمو المنتجات والإيرادات مستقبلاً، لكنه في الأجل القصير يرفع الضغط على التدفقات النقدية ويجعل خفض النفقات التشغيلية أكثر جاذبية.
وكانت الخطة تهدف، من بين أمور أخرى، إلى تكوين فرق أصغر وأكثر كثافة من حيث المواهب، مع توجيه جزء من الوفورات الناتجة عن تخفيض الوظائف إلى تقديم حزم أجور ضخمة لجذب والاحتفاظ بأفضل مهندسي الذكاء الاصطناعي.
وبالتالي، فإن «ميتا» لا تسعى بالضرورة إلى التخلص من الإنفاق على الموظفين بقدر ما تحاول إعادة توزيع الإنفاق من عدد أكبر من الموظفين إلى عدد أقل من أصحاب المهارات النادرة في الذكاء الاصطناعي.
تجربة «الفرق الصغيرة» تكشف نموذج العمل الجديد
قبل إطلاق «مشروع OT»، بدأت «ميتا» بالفعل بتجربة نموذج يعتمد على فرق صغيرة من المهندسين والمصممين مزودة بأدوات الذكاء الاصطناعي.
وفي إحدى التجارب، تكوّنت الفرق من مهندسين اثنين إلى ثلاثة ومصمم واحد، بهدف إنتاج نماذج أولية خلال دورات عمل تمتد أربعة أسابيع بدلاً من دورات التطوير التقليدية الأطول.
ومع توسع التجربة، ظهرت فكرة إلغاء بعض الأدوار التقليدية للمهندسين والمصممين واستبدالها بدور عام هو «Builder»، إلى جانب تقليص طبقات الإدارة الوسطى.
وبحلول يونيو، كانت 11 وحدة على الأقل داخل «ميتا»، من بينها فرق هندسية وبحثية، قد طبّقت نماذج للفرق الصغيرة، وفق الإعلانات الداخلية ومصادر مطلعة.
لكن إعادة تصميم الهيكل الإداري لم تكن سلسة؛ إذ أبدى بعض الموظفين ارتباكاً بشأن الصلاحيات الجديدة، خصوصاً مع انتقال مسؤوليات تقييم الأداء والترقيات إلى رؤساء وحدات أكبر، مع استخدام أنظمة ذكاء اصطناعي في بعض جوانب إدارة الفرق، رغم تأكيد «ميتا» أن قرارات تقييم الأداء والترقية لا تزال بيد البشر.
غضب الموظفين يسرّع تغيير المسار
مع انتشار أخبار التخفيضات، تراجعت معنويات العاملين بصورة حادة. وأظهر مؤشر داخلي لنصف العام انخفاض نسبة الموظفين الذين لديهم نظرة إيجابية إلى الشركة من 74% إلى 55%.
وزاد الغضب مع إعادة توظيف بعض المهندسين في وحدة للذكاء الاصطناعي مهمتها إنشاء بيانات تدريب لتحسين نماذج الشركة، وهي أعمال وصفها بعض الموظفين داخلياً بأنها روتينية ومملة.
كما أثارت خطة استخدام برامج لتتبع ضغطات المفاتيح وحركة الفأرة على أجهزة بعض الموظفين مخاوف من أن العاملين أصبحوا، بصورة غير مباشرة، يساعدون في تدريب أنظمة قد تحل محلهم مستقبلاً.
وفي 20 مايو، مضت «ميتا» في تنفيذ تخفيضات بنحو 10% من قوتها العاملة، لكنها ألغت الموجة الثانية التي كانت مقررة في نوفمبر.
وبعد تنفيذ التخفيضات، أكد زوكربيرغ للموظفين أنه لا يتوقع تسريحات أخرى على مستوى الشركة خلال العام، في محاولة لمنح العاملين مزيداً من الاستقرار.
وفي يوليو، أقرّ زوكربيرغ بوجود أخطاء في توقيت إعادة الهيكلة، مشيراً إلى أن تكنولوجيا وكلاء الذكاء الاصطناعي لم تتطور بالسرعة التي توقعها، لكنه توقع تحقيق فوائد أكبر خلال الأشهر الثلاثة إلى الستة التالية.
ماذا تعني تجربة «ميتا» للمستثمرين؟
تكشف تجربة «ميتا» أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لا يتحول تلقائياً إلى وفورات في العمالة، فالشركات تحتاج أولاً إلى إثبات أن وكلاء الذكاء الاصطناعي قادرون على تنفيذ المهام بصورة مستقلة وموثوقة، من دون أن تلتهم تكاليف المراجعة والأخطاء والأمن السيبراني المكاسب المتوقعة.
وهذا مهم خصوصاً في ظل سباق شركات التكنولوجيا لزيادة الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. فإذا لم تتزامن الاستثمارات الضخمة مع نمو ملموس في الإيرادات أو تحسن واضح في الإنتاجية، فقد يتزايد ضغط المستثمرين على الإدارة لإظهار عائد اقتصادي أكثر وضوحاً على هذه النفقات.
وفي المقابل، لا تعني عودة «ميتا» عن جزء من خطة التسريح أن الشركة تخلت عن التحول إلى الذكاء الاصطناعي. الاتجاه الأوضح هو إعادة توزيع القوى العاملة نحو المجالات ذات الأولوية، مع تقليص بعض الوظائف وإعادة توظيف آلاف الموظفين في فرق جديدة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وتشير هذه التجربة إلى أن التحول الأكثر واقعية قد لا يكون «الذكاء الاصطناعي بدلاً من الموظفين»، بل «موظفون أقل عدداً وأكثر إنتاجية باستخدام الذكاء الاصطناعي». وبالنسبة للمستثمرين، سيكون الاختبار الحقيقي خلال الفترة المقبلة هو ما إذا كانت هذه الفرق الأصغر قادرة على تحويل الإنفاق القياسي على الذكاء الاصطناعي إلى نمو في الإيرادات وهوامش ربح وتدفقات نقدية، وليس مجرد زيادة في حجم الإنتاج الذي توّلده الآلات.




