

وإنفيديا هي المستأجر الوحيد لمجمع «بيكون بوينت» في مقاطعة نويسيس، رغم أن الشركتين لم تؤكدا الهوية رسمياً، وسيعمل الموقع بقدرة كهربائية إجمالية تبلغ غيغاواط واحد، ويضم مئات الآلاف من وحدات معالجة الرسومات التابعة لإنفيديا، في صفقة تعكس تحوّل صانعة الرقائق من مورد للتكنولوجيا إلى ممول وضامن للبنية التحتية التي تخلق الطلب على منتجاتها، بحسب صحيفة فايننشال تايمز.
الـ50 مليار دولار ليست التزاماً فورياً
أعلنت Hut 8 توقيع عقدين، مدة كل منهما 15 عامًا، لتوفير إجمالي 704 ميغاواط من قدرة تكنولوجيا المعلومات داخل المجمع، بقيمة أساسية تبلغ 19.6 مليار دولار، ويمكن أن ترتفع القيمة إلى 50.2 مليار دولار فقط إذا جرى تفعيل جميع خيارات التجديد، بما يمدد العلاقة إلى نحو 30 عامًا، وفق إفصاحات الشركة.
وقُدرت قيمة كل مرحلة بنحو 9.8 مليار دولار، مع إضافة 352 ميغاواط من القدرة الحاسوبية، وبعد توقيع المرحلة الثانية في يوليو، أصبحت الطاقة الكهربائية البالغة غيغاواط واحد في الموقع متعاقدًا عليها بالكامل، بينما تتوقع (Hut 8) تسليم أول قاعة بيانات ضمن المرحلة الثانية في الربع الثاني من 2028، وفق رويترز.
وبحسب فايننشال تايمز تعني هذه التفرقة أن وصف الصفقة بأنها «عقد بقيمة 50 مليار دولار» يشير إلى الحد الأقصى المحتمل خلال ثلاثة عقود، وليس إلى دفعة نقدية فورية أو التزام تعاقدي أساسي بهذه القيمة.
عقد إنفيديا يتحول إلى ضمانة ائتمانية
وحصلت السندات على تصنيف استثماري من وكالة موديز مستفيدة من قوة عقد الإيجار، بينما جاء تسعيرها أعلى بنحو 100 نقطة أساس فقط من ديون إنفيديا نفسها لأجل 30 عامًا، وبذلك أصبحت الميزانية العمومية لصانعة الرقائق أشبه بجسر يربط مطوري مراكز البيانات بأسواق السندات، بحسب فايننشال تايمز.
ويرى خبراء التكنولوجيا أن هذا النموذج يمثل تحولًا مهمًا في اقتصاد مراكز البيانات؛ فوجود شركة تكنولوجيا كبرى كمستأجر طويل الأجل قد يخفض تكلفة تمويل المشروع إلى النصف تقريبًا مقارنة بمشروع يعتمد على عميل أضعف ائتمانيًا، وفق مصرفيين تحدثوا إلى الصحيفة البريطانية.
شراء الطاقة لضمان بيع الرقائق
يأتي التحرك في وقت أصبحت فيه الكهرباء، لا الرقائق وحدها، أبرز عنق زجاجة في سباق الذكاء الاصطناعي، وقد ضمنت (Hut 8) للمشروع إمدادات تصل إلى غيغاواط واحد في تكساس، بينما يتسابق المطورون على الأراضي المتصلة بالشبكات وعلى المحولات ومعدات نقل الكهرباء التي تعاني نقصًا متزايدًا.
ويراقب مشغّل شبكة تكساس طلبات أحمال كبيرة تتجاوز 438 ألف ميغاواط، تمثل مراكز البيانات نحو 89% منها، وفق رويترز.
وحذّرت الشبكة من أن بعض مراكز البيانات ومنشآت تعدين العملات المشفرة أخفقت في اختبارات فنية مرتبطة باستقرار الجهد الكهربائي، بما يكشف حجم الضغوط التي تفرضها المشروعات الجديدة.
وبالنسبة إلى إنفيديا، يضمن حجز موقع بهذه القدرة نشر المزيد من رقائقها حتى إذا تعثر بعض عملائها في تأمين الكهرباء أو التمويل.
ويمكن للشركة لاحقًا إعادة تأجير السعة إلى شركات «السحابة الجديدة»، التي تشتري وحدات معالجة الرسومات وتبيع وقت الحوسبة لمطوري نماذج الذكاء الاصطناعي، بحسب فايننشال تايمز.
مصنع مبني حول منظومة إنفيديا
سيُنشأ مركز «بيكون بوينت» وفق بنية (DSX) المرجعية التابعة لإنفيديا، التي توحّد تصميم الحوسبة والشبكات والطاقة والتبريد باستخدام مكونات وبرمجيات الشركة، وهذا يجعل المجمع أكثر من مجرد مبنى يحتوي على رقائق إنفيديا؛ فهو «مصنع ذكاء اصطناعي» مصمم حول منظومتها التقنية بأكملها.
وقالت إنفيديا ردًا على أسئلة بشأن الصفقة إنها تعمل مع شركاء منظومتها لتسريع نشر بنية تحتية فعّالة اعتمادًا على DSX، لكنها لم تؤكد أنها المستأجر، أما (Hut 8) فقالت إنها لا تعلق على الشائعات المتعلقة بهوية العميل، بعدما وصفته سابقًا بأنه شركة ذات «تصنيف استثماري مرتفع»، وفق فايننشال تايمز.
دائرة مالية تثير قلق المستثمرين
تكمن المخاطرة في أن إنفيديا تصبح في الوقت نفسه مورّد الرقائق، ومستثمرًا في العملاء، وضامنًا لعقودهم، ومستأجرًا للمراكز التي ستستخدم منتجاتها. ويخشى مستثمرون أن يؤدي هذا التشابك إلى تضخيم الطلب الظاهري على وحدات معالجة الرسومات، خصوصًا إذا لم يكن استخدام السعة الحاسوبية النهائية كافيًا لتغطية الإيجارات والديون.
وسبق لإنفيديا أن استثمرت ملياري دولار في (CoreWeave)، كما وافقت على شراء سعة حوسبة تصل قيمتها إلى 6.3 مليار دولار إذا لم تتمكن الشركة من بيعها لعملاء آخرين.
ودعمت إنفيديا أيضًا التزامات إيجارية لبعض شركائها، ما يساعدهم على الاقتراض وبناء مراكز تشتري بدورها رقائقها، وفق بيزنس إنسايدر.
ويرفض الرئيس التنفيذي جينسن هوانغ وصف هذه الترتيبات بأنها «تمويل دائري»، معتبرًا أن استثمارات إنفيديا محدودة مقارنة بحجم رأس المال المطلوب لبناء اقتصاد الذكاء الاصطناعي، لكن المخاوف تصاعدت بعد تقرير وول ستريت جورنال عن محادثات لتقديم ضمانة مالية تقارب 250 مليار دولار لمساعدة (OpenAI) على استئجار مركز بيانات بقدرة 10 غيغاواط تطوره شركة تابعة لسوفت بنك في أوهايو، إضافة إلى احتمال تمويل مشتريات ضخمة من رقائق إنفيديا.
رهان على استمرار الطلب لعقود
أظهر أحدث تقرير فصلي لإنفيديا وجود التزامات مستقبلية لعقود إيجار لم تبدأ بعد بقيمة 32.4 مليار دولار، معظمها مرتبط بمراكز بيانات تدعم البحث والتطوير، مقابل 7.4 مليار دولار قبل عام، بحسب فايننشال تايمز.
ويكشف ذلك مدى سرعة انتقال الشركة من نموذج قليل الأصول نسبيًا إلى التزامات طويلة الأجل مرتبطة بالطاقة والعقارات الرقمية.
وبحسب خبراء التكنولوجيا قد ينجح الرهان إذا استمر الطلب على الحوسبة الذكية بالوتيرة الحالية؛ إذ ستضمن إنفيديا أماكن تشغيل رقائقها وتعمّق اعتماد العملاء على منظومتها، أما إذا تباطأ الطلب أو انخفضت أسعار الحوسبة، فقد تجد الشركة نفسها أمام التزامات إيجارية ضخمة وسعة فائضة لدى شركاء يعتمدون ماليًا عليها.
ويرى الخبراء أن صفقة تكساس لا تمثل مجرد مركز بيانات جديد، بل إنها اختبار لما إذا كانت القوة المالية لإنفيديا قادرة على تحويل اختناقات الكهرباء والتمويل إلى ميزة تنافسية، أم أن الشركة بدأت تتحمل جزءًا متزايدًا من المخاطر التي كان يفترض أن يتحملها عملاؤها.




