شؤون عربية ودولية

لماذا يقود مجلس التعاون الخليجي عصر الذكاء الاصطناعي السيادي؟ : CNN الاقتصادية



في ظل اقتصاد عالمي يواجه ضغوطاً متجددة على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، أصبح هناك تعريف جديد لمفهوم القوة الوطنية، وفي ما يخص دول مجلس التعاون الخليجي، أدى التقلب الجيواقتصادي الراهن إلى تحول جوهري سريع؛ إذ تجاوزنا المرحلة التجريبية للذكاء الاصطناعي ودخلنا عصر الدولة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

بالنسبة للحكومات وقادة الأعمال في منطقة الخليج، لم يعد النقاش يدور حول تبني التكنولوجيا؛ بل حول بناء أنظمة «الذكاء الاصطناعي السيادي» التي تتسم بالموثوقية والمرونة والقدرة على إحداث تحول اقتصادي.

ووفقاً لأحدث أبحاث أكسنتشر «نبض التغيير»، يخطط 86% من قادة الإدارة العليا لزيادة استثماراتهم في الذكاء الاصطناعي خلال عام 2026. وفي الشرق الأوسط، يبدو هذا التفاؤل أكثر وضوحاً: حيث تعمل 83% من المؤسسات الإقليمية على زيادة إنفاقها، متخذة من الذكاء الاصطناعي وسيلة لخفض التكاليف ومحركاً رئيسياً لنمو الإيرادات والمرونة الوطنية.

التحول من الوصول إلى التمكين

في الموجة الأولى من الذكاء الاصطناعي، كانت الريادة تحدد بإمكانية الوصول إلى النماذج العالمية. أما اليوم، ومع اختبار الصراعات الإقليمية لاستقرار البنية التحتية العالمية، باتت الريادة تحدد بالتمكين والاستقلالية. تعني السيادة الرقمية الحقيقية امتلاك الثقة بأن الأنظمة الحيوية -من شبكات الطاقة إلى الشبكات المالية- يمكنها العمل بشكل مستقل عن تقلبات الاتصال العالمي.

وهذا يتطلب تجاوز الاعتماد على الأدوات الخارجية نحو إنشاء «مصانع ذكاء اصطناعي» محلية قادرة على توليد الذكاء على نطاق صناعي.

وفي حين تم تعديل توقعات النمو الإقليمي إلى 2.6% بسبب تراجع الطلب المحلي المرتبط بالصراعات، تظل «إعادة الابتكار» القائمة على التكنولوجيا الوسيلة الرئيسية للتحوط ضد الركود. وفي هذه البيئة، يعتبر الذكاء الاصطناعي السيادي بمنزلة «تأمين رقمي». فهو يضمن بقاء منطق نماذج صنع القرار وأمن البيانات الحساسة داخل الحدود الوطنية، محمية من المخاطر الثانوية للتفكك العالمي.

منطقة مهيأة للريادة

تكشف أبحاث أكسنتشر أن الشرق الأوسط هو المنطقة الأكثر جاهزية للذكاء الاصطناعي على مستوى العالم، حيث أبدى 73% من القوى العاملة استعدادهم للتدريب على الذكاء الاصطناعي مقارنة بـ51% عالمياً.

وتشكّل ميزة رأس المال البشري هذه المحرك الذي يقف وراء التحولات الطموحة التي تتكشف حالياً في مختلف أنحاء الخليج.

ويتجلى ذلك بوضوح أكبر في الطريقة التي تربط بها المملكة العربية السعودية الذكاء الاصطناعي بأجندة التحول الوطني. فمن خلال ربط القدرات الرقمية مباشرة بالإنتاجية والتنويع الاقتصادي، تضع المملكة نموذجاً لتوسيع نطاق الذكاء الاصطناعي بمسؤولية عبر القطاعين العام والخاص. والأمر لا يتعلق بالسرعة فحسب؛ بل بالتصميم المتعمد.

والأهم من ذلك، أن هذا أصبح ممكناً بفضل بنية تحتية سيادية عالية الأداء أُنشئت بالتعاون مع قادة المنظومة العالمية لضمان امتلاك المملكة لمستقبلها الحوسبي.

وبالمثل، منحت دولة الإمارات الأولوية للمرونة التنظيمية والمنصات الموثوقة، لتكون بذلك ساحة اختبار عالمية للنشر الآمن واسع النطاق. ومن خلال التركيز على «الحوكمة بالتصميم»، تردم الإمارات الفجوة بين التكنولوجيا المتقدمة والأمن الوطني. وأما في قطر، فقد تطور التركيز نحو الذكاء الاصطناعي كممكّن للبنية التحتية الذكية ومرونة الطاقة، وهي أولويات جوهرية في ظل تعامل المنطقة مع تعقيدات سلاسل الإمداد الحالية.

السيادة طيف متصل

من المفاهيم الخاطئة الشائعة أن الذكاء الاصطناعي السيادي يتطلب العزلة، بينما في الواقع تُبنى أنجح النماذج على «السيادة الهجينة».

فهذا النهج يتيح للدول الاستفادة من قوة مزودي الخدمات السحابية العالمية للمهام ذات الأغراض العامة، مع الحفاظ على بيئات سيادية آمنة و«معزولة» للأحمال الحرجة، وهي استراتيجية عزّزتها مؤخراً شراكات أكسنتشر الموسعة مع «بالانتير» لتوفير سيادة بيانات متقدمة للقطاعات المنظمة.

ومع ذلك، ورغم التفاؤل الكبير، تظل هناك «فجوة في التنفيذ». ففي حين يتوقع 89% من القادة الإقليميين نمواً في الإيرادات، يعمل 3% فقط بشكل فعّال على إعادة تصميم الأدوار الوظيفية لعصر مُمكّن بالذكاء الاصطناعي. ولسد هذه الفجوة، يجب على القادة التركيز على ثلاث ركائز استراتيجية:

1. الارتباط بالنتائج الوطنية: يجب ربط الذكاء الاصطناعي بأولويات واضحة.. تحسين خدمات المواطنين أو تعزيز الاستقرار المالي أو إطلاق الإنتاجية الصناعية.

2. التصميم للتوسع: يجب على المؤسسات الاستثمار في أسس البيانات والأمن السيبراني مبكراً، بدلاً من الاعتماد على المشاريع التجريبية للتطور العضوي. والنجاح هنا يعني الانتقال من التجارب المعزولة إلى منصات سيادية متكاملة قادرة على دعم منظومة وطنية بأكملها.

3. الثقة كأصل استراتيجي: في فترة تتسم بتصاعد حالة عدم اليقين، تُعد الحوكمة الشفافة والذكاء الاصطناعي القابل للتفسير عوامل تسريع لتبني التقنية، خاصة في القطاعات شديدة التنظيم.

الخلاصة

أثبتت دول مجلس التعاون الخليجي مراراً قدرتها على تجاوز مراحل التنمية التقليدية. ومن خلال التعامل مع الذكاء الاصطناعي كمنظومة للمرونة الوطنية وليس مجرد ترقية برمجية، لا تكتفي المنطقة بالمشاركة في ثورة الذكاء الاصطناعي، بل تسهم في تحديد مستقبلها السيادي. لقد انتهى عصر التجريب في الذكاء الاصطناعي، وبدأ عصر الدولة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى