

وفي رسالة إلى وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لدول مجموعة العشرين، قبل اجتماعاتهم في الولايات المتحدة، قال بيلي إن ظهور ما يُعرف بـ«نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة» أو فرونتير إي آي أدى إلى تعقيد مشهد المخاطر الذي يواجه القطاع المالي، خصوصاً مع تزايد قدرات هذه النماذج على العمل بشكل مستقل وحل المشكلات وتنفيذ مهام أكثر تعقيداً، بحسب رويترز.
وأكد بيلي أن التطور في قدرات الذكاء الاصطناعي يجب أن يوازيه تطور في قدرة المؤسسات المالية والجهات الرقابية على الصمود والاستجابة والتعافي، داعياً الدول إلى اتخاذ إجراءات تضمن تطوير ونشر هذه النماذج بصورة آمنة ومسؤولة على المستوى العالمي.
الذكاء الاصطناعي يغير طبيعة المخاطر السيبرانية
وتتمثل المخاوف الرئيسية في أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يخفض الوقت والتكلفة اللازمين لاكتشاف الثغرات الإلكترونية واستغلالها، بما يسمح بتنفيذ هجمات أكثر سرعة واتساعاً من قدرة المؤسسات على الاستجابة.
ويزداد الخطر بالنسبة للقطاع المالي بسبب اعتماد عدد كبير من المؤسسات على مجموعة محدودة من مزودي التكنولوجيا والخدمات السحابية والبنية التحتية الرقمية، وفي حال تعرض أحد هذه المزودين لهجوم واسع، يمكن أن تنتقل آثار الاضطراب إلى عدد كبير من البنوك والمؤسسات المالية في وقت واحد، بما قد يؤثر في ثقة الأسواق ويخلق مخاطر على مستوى النظام المالي بأكمله.
مخاطر تتجاوز الهجمات الإلكترونية
ولا تقتصر مخاوف مجلس الاستقرار المالي على الأمن السيبراني، فقد حذر بيلي أيضاً من إمكانية حدوث تصحيح حاد في الأسواق المالية، في ظل ارتفاع تقييمات بعض الأصول، وتزايد استخدام الرافعة المالية في أسواق الأسهم والسندات، إلى جانب نقاط الضعف الموجودة في أسواق الدين الحكومية.
ويرى المجلس أن اجتماع هذه العوامل يمكن أن يضخم تأثير أي صدمة في الأسواق، خصوصاً مع تزايد التركيز الاستثماري في عدد محدود من الشركات والقطاعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وكان مجلس الاستقرار المالي قد أشار في يونيو إلى أن تقييمات الأصول لا تزال مرتفعة، بينما ظلت علاوات المخاطر منخفضة، في الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدين السيادي وأصبحت آجال استحقاق الديون أقصر، ما يجعل أسواق السندات الحكومية أكثر حساسية للصدمات وتغيرات شهية المستثمرين للمخاطرة.
كما أشار المجلس إلى النمو السريع للائتمان الخاص، مع بقاء أجزاء من هذا السوق غير مختبرة أمام سيناريو ركود اقتصادي طويل، فضلاً عن المخاطر التي قد تنتج عن استراتيجيات التداول بالرافعة المالية.
القطاع المالي يستعد لعصر «الذكاء الاصطناعي الوكيل»
وتأتي تحذيرات بيلي في وقت تتطور فيه نماذج الذكاء الاصطناعي من أدوات تقدم إجابات للمستخدمين إلى أنظمة قادرة على تنفيذ مهام متعددة بصورة شبه مستقلة، وهو ما يزيد من حجم الفوائد المحتملة، لكنه يرفع في الوقت نفسه مخاطر فقدان السيطرة على الأنظمة.
كما حذر مجلس الاستقرار المالي من أن اعتماد المؤسسات المالية على مزودي خدمات خارجيين يجعل من الضروري تعزيز قدرات الاستجابة والتعافي، بما في ذلك ضمان وجود أنظمة بديلة يمكن تشغيلها في حالة تعرض البنية التحتية الأساسية لهجوم أو عطل واسع.
جهود رقابية لمواكبة التطور
ولا يزال استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع المالي في مرحلة توسع سريع، فيما تعمل الجهات التنظيمية الدولية على وضع قواعد تساعد المؤسسات على الاستفادة من التكنولوجيا من دون تعريض الاستقرار المالي للخطر.
وكان مجلس الاستقرار المالي قد أطلق في يونيو مشاورات بشأن الممارسات السليمة للاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في المؤسسات المالية، بهدف مساعدة البنوك والمؤسسات المالية على إدارة المخاطر المرتبطة بتبني التكنولوجيا.
ومن المقرر أن يصدر المجلس نسخته النهائية من هذه الممارسات في أكتوبر 2026، بعد انتهاء مرحلة المشاورات مع الأطراف المعنية.
ويعمل المجلس، الذي ينسق السياسات الرقابية والمالية بين السلطات في الاقتصادات الكبرى، على تقييم تداعيات الذكاء الاصطناعي على الاستقرار المالي منذ سنوات، لكنه يرى أن التطور الأخير في قدرات النماذج المتقدمة يستدعي تحديث أدوات الرقابة والاستجابة بصورة أسرع.
الذكاء الاصطناعي بين فرصة النمو ومصدر المخاطر
ولا ينظر المنظمون إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره تهديداً فقط؛ إذ يمكن للتكنولوجيا أن تعزز قدرة المؤسسات المالية على اكتشاف الاحتيال والهجمات الإلكترونية وتحليل البيانات وإدارة المخاطر.
لكن المشكلة الأساسية تكمن في سرعة التطور مقارنة بسرعة استجابة الجهات الرقابية والمؤسسات المالية، وقال صندوق النقد الدولي في دراسة حديثة إن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسرّع اكتشاف واستغلال الثغرات الإلكترونية، ما قد يؤدي إلى انتشار المخاطر بصورة أسرع عبر البنية التحتية الرقمية المشتركة ومزودي الخدمات الأساسيين.
وبالتالي، فإن التحدي أمام القطاع المالي لا يتمثل فقط في منع الهجمات التي يستخدم فيها الذكاء الاصطناعي، وإنما في ضمان قدرة البنوك والأسواق ومزودي البنية التحتية على احتواء الهجوم والتعافي منه قبل أن يتحول إلى أزمة مالية أوسع.
وتأتي تحذيرات بيلي في وقت تواجه فيه الأسواق العالمية بالفعل مجموعة من المخاطر، تشمل ارتفاع مستويات الدين الحكومي، وتقييمات الأصول المرتفعة، وتزايد الرافعة المالية، والتوترات الجيوسياسية، ما يجعل أي اضطراب سيبراني واسع النطاق أكثر قدرة على الانتقال إلى النظام المالي العالمي.




