تقنيات

مفارقة 2026.. الذكاء الاصطناعي يصبح «أغلى» من العمالة البشرية : CNN الاقتصادية



تدخل شركات التكنولوجيا الكبرى مرحلة أكثر تعقيداً في سباق الذكاء الاصطناعي، إذ لم تعد المعادلة تدور فقط حول استبدال العمالة البشرية بأنظمة الذكاء الاصطناعي، بل حول كلفة تشغيل النماذج نفسها، فبينما تواصل الشركات تقليص الوظائف وإعادة ضبط ميزانياتها، تكشف تصريحات مسؤولين ومديرين تنفيذيين أن فواتير الحوسبة والطاقة والبنية التحتية باتت في بعض الحالات أعلى من تكلفة الموظفين.

قال برايان كاتانزارو، نائب رئيس التعلم العميق التطبيقي في إنفيديا، لموقع أكسيوس إن «تكلفة الحوسبة تفوق بكثير تكلفة الموظفين» بالنسبة إلى فريقه، وهو ما يعكس تحولاً في اقتصادات الذكاء الاصطناعي، حيث تحتاج النماذج المتقدمة إلى رقائق باهظة الثمن، ومراكز بيانات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وقدرات تشغيلية مستمرة لتدريب النماذج وتشغيلها.

شركات كبرى تخفض نفقات العمالة

يأتي ذلك بينما تتحرك شركات كبرى لخفض نفقات العمالة، فقد أعلنت شركة ميتا في مذكرة داخلية الأسبوع الماضي عزمها تسريح 10% من موظفيها، بما يعادل نحو 8000 وظيفة، إضافة إلى إلغاء خطط توظيف لشغل 6000 وظيفة شاغرة.

وربطت ميتا القرار بجهود «إدارة الشركة بكفاءة أكبر، وتعويض الاستثمارات الأخرى التي نقوم بها».

وفي السياق نفسه، عرضت مايكروسوفت على آلاف الموظفين برنامج تقاعد طوعي، هو الأكبر من نوعه في تاريخها.

ولا تعني موجة التسريح بالضرورة أن الذكاء الاصطناعي أصبح بديلاً أرخص من البشر، فدراسة لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في عام 2024 خلصت إلى أن أنظمة الذكاء الاصطناعي كانت مجدية اقتصادياً في 23% فقط من الوظائف التي تمثل الرؤية جزءاً أساسياً من مهامها، أما في 77% من الحالات المتبقية فكان استمرار البشر في أداء تلك المهام أقل تكلفة.

وتزيد التجارب العملية من حذر الشركات، ففي بعض الحالات، لم يؤدِ الاعتماد على الذكاء الاصطناعي إلى كفاءة أعلى، بل تسبب في أخطاء تشغيلية مكلفة.

وذكر أحد المهندسين أن نظام ذكاء اصطناعي تسبب في تدمير قاعدة بيانات وشبكة داخلية نتيجة ما وصفه بـ«الإفراط في الاستخدام»، في إشارة إلى مخاطر التشغيل غير المنضبط للأدوات الجديدة.

ورغم غياب أدلة واسعة على قفزة إنتاجية شاملة من الذكاء الاصطناعي، وعدم وجود بيانات قوية تؤكد أنه يستبدل الوظائف على نطاق واسع، وفق مختبر ميزانية جامعة ييل، تواصل شركات التكنولوجيا ضخ استثمارات ضخمة في القطاع، وبحسب مورغان ستانلي، بلغ الإنفاق الرأسمالي المعلن على الذكاء الاصطناعي 740 مليار دولار هذا العام حتى الآن، بزيادة 69% مقارنة بعام 2025.

هذا الإنفاق بدأ يضغط على الميزانيات الداخلية للشركات، حيث قال برافين نيبالي ناغا، كبير مسؤولي التكنولوجيا في أوبر، لصحيفة «ذا إنفورميشن»، إن الشركة عادت “إلى نقطة الصفر” في تقديراتها، بعدما تجاوزت ميزانية أدوات الذكاء الاصطناعي المخصصة بالفعل ما كان متوقعاً، وجاء حديثه في سياق توسع أوبر في استخدام أدوات برمجة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل “كلود كود” من أنثروبيك.

شركات التكنولوجيا سرّحت 92 ألف موظف في 2026

في المقابل، تتسارع عمليات تسريح العمال في القطاع، ووفق بيانات موقع (Layoffs.fyi)، تجاوز عدد العاملين المسرحين في شركات التكنولوجيا 92 ألفاً منذ بداية 2026، موزعين على نحو 100 شركة، ويقترب هذا الرقم سريعاً من إجمالي العام الماضي، حين بلغت التسريحات نحو 120 ألف وظيفة.

يرى كيث لي، أستاذ الذكاء الاصطناعي والتمويل في كلية غوردون للأعمال بالمعهد السويسري للذكاء الاصطناعي، أن ما يحدث يعكس «عدم توافق قصير الأجل» في اقتصادات الذكاء الاصطناعي، فالشركات تراهن على مكاسب مستقبلية في الإنتاجية، لكنها تتحمل حالياً تكاليف مرتفعة في الحوسبة والبنية التحتية والطاقة، بينما لا تزال العمالة البشرية أرخص في كثير من الاستخدامات.

كم تبلغ نفقات الذكاء الاصطناعي؟

وتشير تقديرات ماكينزي إلى أن نفقات الذكاء الاصطناعي قد تصل، وفق المسار الحالي، إلى 5.2 تريليون دولار بحلول 2030، بينها 1.6 تريليون دولار لإنفاق مراكز البيانات و3.3 تريليون دولار لمعدات تكنولوجيا المعلومات.

وفي سيناريو نمو أسرع، قد يرتفع الإجمالي إلى 7.9 تريليون دولار، كما أشارت شركة تروبيك لإدارة الإنفاق إلى أن رسوم برامج الذكاء الاصطناعي ارتفعت بين 20% و37% خلال العام الماضي.

وتفاقم نماذج التسعير الحالية المشكلة، فالكثير من أدوات الذكاء الاصطناعي تعتمد اشتراكات ثابتة، بينما تختلف كلفة التشغيل الفعلية بشدة حسب كثافة الاستخدام.

هذا يعني أن المزودين قد يخسرون مع المستخدمين الأكثر نشاطاً، في حين تواجه الشركات المشتركة فواتير متزايدة عند التوسع في الاستخدام أو الانتقال إلى أدوات أكثر تقدماً.

لذلك بدأت بعض الشركات تعيد تعريف الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة مكملة للعمل البشري لا بديلاً فورياً عنه، فالعائد الاقتصادي لا يزال غير واضح في قطاعات كثيرة، بينما تتطلب الأتمتة الناجحة إعادة تصميم للعمليات، وحوكمة للمخاطر، وضبطاً للتكاليف، لا مجرد استبدال الموظفين بخوارزميات.

المُعادلة قد تتغير

ومع ذلك، قد تتغير المعادلة خلال السنوات المقبلة، يتوقع محللون أن تنخفض كلفة الاستدلال، أي تشغيل النماذج وتحليلها للبيانات، بأكثر من 90% خلال أربع سنوات للنماذج اللغوية الضخمة ذات تريليون معامل، وفق تقرير حديث لغارتنر، كما قد تتحسن كفاءة مراكز البيانات، وتتوسع إمدادات الرقائق، وتتجه شركات الذكاء الاصطناعي إلى تسعير قائم على الاستخدام بدلاً من الاشتراك الثابت.

ويظل الذكاء الاصطناعي في مرحلة انتقالية مكلفة، فالشركات تخفض الوظائف بحثاً عن الكفاءة، لكنها في الوقت نفسه تنفق مبالغ قياسية على البنية التحتية التي تجعل الأتمتة ممكنة، والنتيجة أن الوعد بخفض التكاليف لم يتحقق بعد على نطاق واسع، بينما أصبحت فاتورة الحوسبة واحدة من أكبر بنود الإنفاق في وادي السيليكون.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى