تقنيات

مليارات على الورق ومراكز لم تعمل بعد.. من يتحمل مخاطر طفرة الذكاء الاصطناعي؟ : CNN الاقتصادية



تستعد «إس بي إنرجي» لطرح أسهمها أمام المستثمرين في رهان ضخم على طفرة مراكز البيانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، لكن الجزء الأكبر من الإيرادات التي تستند إليها قصة النمو لن يتحول إلى تدفقات نقدية في المدى القريب، فمراكز البيانات الثلاثة التي تخطط الشركة المدعومة من «سوفت بنك» لتطويرها لم تدخل التشغيل بعد، بينما تمتد العقود الموقعة لسنوات طويلة، ما يضع المستثمرين أمام سؤال جوهري: من يتحمل تكلفة الفترة بين إنفاق مليارات الدولارات على البناء وبدء تحصيل الإيرادات؟

تقول «إس بي إنرجي» إن لديها إيرادات محتملة متعاقداً عليها بقيمة 430 مليار دولار، لكن نحو 82% منها لن يأتي قبل ثماني سنوات على الأقل، وفق إفصاحات الشركة التي أوردتها «وول ستريت جورنال»، ولا يمثل هذا الرقم مبيعات سنوية أو أموالاً متاحة للشركة حالياً، بل يعكس إيرادات متوقعة على مدى سنوات وفق العقود والاتفاقات القائمة.

وفي النصف الأول من 2026، بلغت إيرادات الشركة نحو 139 مليون دولار، وجاءت من أنشطة الطاقة القائمة، في حين تتركز عقود مراكز البيانات الجديدة بدرجة كبيرة لدى «أوبن إيه آي» و«سوفت بنك»، وتبلغ القدرة المتعاقد عليها لمشروعات مراكز البيانات نحو 8.8 غيغاواط، وفق إفصاحات الطرح وتقارير رويترز.

وتختلف قيمة التعاقدات الممتدة عن الإيراد المعترف به خلال الفترة، كما أن تحصيل الإيراد لا يجعله كله قابلاً للتوزيع؛ إذ تُخصم منه نفقات التشغيل والضرائب والاستثمارات اللازمة، ثم تُراعى خدمة الدين واحتياطيات السيولة، ولا يصح تقسيم 430 مليار دولار على عدد مفترض من السنوات لاستخراج عائد سنوي، دون جدول التسليم والتحصيل وشروط العقود.

وهنا تظهر الفجوة التي تستحق اهتمام المستثمرين: القيمة التعاقدية ليست إيراداً محققاً، والإيراد المحقق ليس بالضرورة نقداً قابلاً للتوزيع، فقبل وصول الأموال إلى المساهمين، يتعين على الشركة تحمل تكاليف التشغيل، والضرائب، والإنفاق الرأسمالي، وخدمة الدين، والحفاظ على احتياطيات السيولة.

كما أن ضخامة الرقم المعلن البالغ 430 مليار دولار لا تعني ببساطة إمكانية تقسيمه على عدد من السنوات لاستخراج إيراد سنوي، فالتوقيت الفعلي يعتمد على مراحل تسليم مراكز البيانات، وبدء التشغيل، وشروط العقود، وقدرة العملاء على الوفاء بالتزاماتهم.

التأخير يضغط على الإيرادات ويرفع تكلفة رأس المال

مخاطر التنفيذ تبدأ قبل تشغيل مراكز البيانات، ففي مشروع أوهايو ينص ترتيب الشركة مع «أوبن إيه آي» على منح المستأجر يوماً مجانياً من الإيجار الأساسي مقابل كل يوم تأخير، وترتفع الآلية إلى يومين من الإيجار المجاني مقابل كل يوم تأخير بعد مرور 90 يوماً، وفق «وول ستريت جورنال».

وفي مشروع Milam County بولاية تكساس، قد يؤدي تأخر التشغيل لمدة عام إلى منح المستأجر خيار شراء الموقع بسعر قد يكون أقل مادياً من قيمة إيرادات الإيجار التي كانت الشركة تتوقع تحصيلها، بحسب التقرير نفسه.

اقتصادياً، يعني التأخير أن الشركة قد تضطر إلى الانتظار فترة أطول قبل بدء تحصيل الإيرادات، بينما تستمر في تحمل تكاليف التطوير والتمويل، وكلما طال الجدول الزمني، أصبحت تكلفة رأس المال عاملاً أكثر أهمية في العائد النهائي للمشروع.

وللتوضيح الحسابي فقط، فإن كل زيادة قدرها نقطة مئوية واحدة في تكلفة تمويل دين متغير بقيمة 10 مليارات دولار تعني 100 مليون دولار إضافية سنوياً قبل احتساب أثر التحوط. وبالمثل، فإن ارتفاع تكلفة مشروع قيمته 10 مليارات دولار بنسبة 10% يعني الحاجة إلى مليار دولار إضافي لتمويله.

لكن من يتحمل هذه الزيادة فعلياً يعتمد على بنود عقود البناء والتمويل وضمانات الإنجاز، وقد تنعكس التكلفة غير المغطاة في صورة تمويل إضافي أو ارتفاع المديونية أو انخفاض العائد على حقوق المساهمين.

ضمان إنفيديا يحد المخاطر ولا يلغيها

تدخل «إنفيديا» في هيكل التمويل باعتبارها أحد الأطراف الرئيسية الداعمة للمشروع؛ إذ أعلنت الشركة عن ضمان يصل إلى 105 مليارات دولار لدعم التزامات مرتبطة باستئجار «أوبن إيه آي» لموقع أوهايو، إلى جانب استثمار مباشر بقيمة 1.5 مليار دولار في «إس بي إنرجي»، وفق رويترز.

ولا يعني سقف الضمان البالغ 105 مليارات دولار أن «إنفيديا» تتحمل كامل تكلفة المشروع أو جميع التزامات «أوبن إيه آي»، فالضمان يرتبط بجزء من مدفوعات الإيجار والطاقة وبقيمة دنيا للموقع، وتحدد شروطه وآلية تفعيله مقدار الحماية الفعلية في حال تعثر المستأجر.

وقال الرئيس التنفيذي لـ«إنفيديا» جنسن هوانغ إن الترتيب ليس تمويلاً دائرياً، في تصريحات نقلتها رويترز.

وبالنسبة للمقرضين، لا يكفي النظر إلى قيمة الضمان المعلنة؛ إذ تكتسب مدة الضمان، وشروط استحقاقه، والاستثناءات، وآلية تنفيذه أهمية كبيرة في تحديد قيمة الحماية الفعلية.

أما بالنسبة للمساهمين، فتبقى مخاطر التمويل قائمة إذا تطلبت المشروعات رأس مال إضافياً، سواء عبر زيادة الديون أو إصدار أسهم جديدة، ما قد يرفع أعباء التمويل أو يؤدي إلى تخفيف حصة المساهمين الحاليين.

حين يصبح المستأجر مسهماً

تزداد تعقيدات العلاقة مع «أوبن إيه آي» لأن الشركة ليست مستأجراً محتملاً لمراكز البيانات فحسب، بل أصبحت أيضاً صاحبة مصلحة في «إس بي إنرجي».

وأظهرت إفصاحات الطرح أن قيمة حقوق شراء الأسهم الممنوحة لـ«أوبن إيه آي» قُدرت بنحو 5.5 مليار دولار في نهاية يونيو، وفق التقارير المستندة إلى إفصاحات الشركة.

كما التزمت «إس بي إنرجي» بإنفاق 50 مليون دولار على الأقل حتى 2028 على خدمات «أوبن إيه آي»، بما في ذلك خدمات مثل ChatGPT Enterprise، وفق «بيزنس إنسايدر».

وهذه العلاقة المزدوجة تخلق نقطة تستحق التدقيق من جانب المستثمرين: «أوبن إيه آي» مستأجر ومسهم في الوقت نفسه، وتُظهر إفصاحات الشركة أن هذا الوضع قد يجعل إنفاذ بعض الالتزامات التعاقدية أكثر تعقيداً، إذ قد تتعارض في بعض الحالات مصالح المستأجر مع مصالح مساهمي «إس بي إنرجي».

ولا تعني هذه الإفصاحات بالضرورة وجود تعارض فعلي أو إخلال تعاقدي، لكنها تجعل شروط الإلغاء، والتعويضات، وحقوق الأطراف، وآليات الحوكمة، وكيفية التعامل مع أي نزاع تعاقدي عناصر أساسية في تقييم قيمة العقود المعلنة.

في النهاية، لا تكمن قصة «إس بي إنرجي» في رقم 430 مليار دولار وحده، بل في المسافة بين هذا الرقم وبين الأموال التي يمكن أن تصل فعلياً إلى الشركة والمساهمين، فكلما امتدت تلك المسافة زمنياً، أصبحت تكلفة التمويل، ومخاطر الإنشاء، وتركيز العملاء، وشروط العقود عوامل حاسمة في تحديد ما إذا كانت مليارات الإيرادات المستقبلية ستتحول بالفعل إلى قيمة اقتصادية حقيقية.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى