

قد يثير ظهور أي عَرَض صحي جديد يستمر لأكثر من بضعة أيام القلق، وألم الظهر ليس استثناءً؛ فإذا شعرت بألم بعد رفع صناديق ثقيلة، على سبيل المثال، فقد يكون السبب واضحاً، كالإجهاد العضلي. أما إذا ظَهَر الألم من دون إصابة أو سبب معروف، واستمر مدّة؛ فمن الطبيعي أن تبدأ بالتفكير في احتمالات أكثر خطورة، وربما تتساءل: «هل يمكن أن يكون ألم ظهري ناتجاً عن السرطان؟».
يقول الدكتور آلان ألبر ساغ، أحد مؤسسي اللجنة الطبية المتخصصة في ألم السرطان لدى البالغين وأورام النقائل العظمية، في مركز سيلفستر الشامل للسرطان التابع لكلية ميلر للطب بجامعة ميامي: «على الأرجح، لا علاقة للأمر بالسرطان». ويضيف أن ألم الظهر الناجم عن السرطان نادر للغاية، والغالبية العظمى من حالات ألم الظهر ترتبط بمشكلات في الجهاز العضلي الهيكلي، وفقاً لموقع «إيفري داي هيلث».
وينجم ألم الظهر في كثير من الحالات عن أسباب شائعة، مثل الشد العضلي، أو تمزق الأربطة، أو التهاب المفاصل، أو الانزلاق الغضروفي. وغالباً ما تتحسن هذه الحالات مع الراحة، واستخدام الأدوية التي تُصرف من دون وصفة طبية، وممارسة تمارين الإطالة، والخضوع للعلاج الطبيعي عند الحاجة.
ومع ذلك، يشير الدكتور ساغ إلى أن الألم الذي يستمر من دون تحسُّن، أو تتفاقم حدته بمرور الوقت، أو يمنع الشخص من النوم ليلاً، يستدعي الانتباه والتقييم الطبي. وتزداد أهمية مراجعة الطبيب إذا كان الشخص قد أُصيب بالسرطان في السابق، أو يتلقى علاجاً له حالياً.
ألم الظهر المعتاد مقابل ألم الظهر المرتبط بالسرطان
قد يكون التمييز بين ألم الظهر المعتاد والألم المرتبط بالسرطان أمراً صعباً بالاعتماد على طبيعة الألم وحدها؛ إذ يمكن أن يتخذ كلاهما أشكالاً مختلفة، فيظهر على هيئة ألم حاد أو خفيف أو حارق أو نابض أو طاعن. لذلك، ينبغي الانتباه إلى مجموعة من العوامل، تشمل سبب الألم المحتمل، وتوقيت ظهوره، ومدته، وطريقة تطوره، والأعراض الأخرى المصاحبة له.
السبب: غالباً ما يرتبط ألم الظهر المعتاد بإصابة أو إجهاد واضح، مثل رفع جسم ثقيل أو التعرُّض لالتواء أثناء ممارسة الرياضة. أما الألم المرتبط بالسرطان؛ فقد يظهر من دون سبب واضح أو إصابة سابقة تفسر حدوثه.
التوقيت: قد تزداد حدة آلام الظهر الناجمة عن الإصابات خلال النهار، خصوصاً عند الحركة أو ممارسة الأنشطة البدنية، بينما قد يكون الألم المرتبط بالسرطان أكثر وضوحاً أثناء الليل.
ويوضح الدكتور ساغ أن أحد التفسيرات المحتملة لذلك يتمثل في إفراز الخلايا السرطانية مواد كيميائية مسببة للالتهاب، تُعرف باسم «السيتوكينات»، يمكن أن تهيّج الأعصاب، وتزيد حساسيتها للألم.
إضافة إلى ذلك، تتغيَّر آليات الجسم الطبيعية للتحكم في الألم خلال الليل. ويقول الدكتور أندرو جيه فابيانو، رئيس قسم جراحة الأعصاب ومدير وحدة أورام العمود الفقري في معهد «روزويل بارك» للسرطان بمدينة بوفالو في ولاية نيويورك، إن الجسم ينتج عادةً الستيرويدات في الصباح؛ ما يساعد على تخفيف ألم السرطان.
المدة: غالباً ما يبدأ الألم الناجم عن الإصابة بصورة مفاجئة، ثم يتحسن تدريجياً مع مرور الوقت والتعافي. أما الألم المرتبط بالسرطان، فقد يستمر لأسابيع أو أكثر من دون أن يزول، بل قد تزداد حدته تدريجياً.
الأعراض المصاحبة: عندما يظهر ألم الظهر وحده من دون أعراض أخرى، يكون السبب في كثير من الأحيان إصابة عضلية أو حالة مزمنة. لكن وجود أعراض إضافية، مثل فقدان الوزن غير المبرَّر، أو التعب الشديد، أو الضعف، أو الخدر، قد يزيد الحاجة إلى إجراء تقييم طبي لتحديد السبب.
أنواع السرطان التي قد تسبّب ألم الظهر
يمكن أن يرتبط ألم الظهر ببعض أنواع السرطان، خصوصاً عندما ينتشر المرض إلى عظام العمود الفقري أو يؤثر في الأعصاب المحيطة به. ومن أبرز هذه الأنواع:
1. سرطان الرئة
قد تنتشر الأورام التي تبدأ في الرئتين إلى عظام العمود الفقري، أو تضغط على الأعصاب المحيطة بالحبل الشوكي؛ ما يؤدي إلى الشعور بألم في الظهر. وفيما يصل إلى 25 في المائة من الحالات، قد يكون ألم العظام أول الأعراض التي تشير إلى الإصابة بسرطان الرئة.
وقد يستدعي ظهور ألم الظهر لدى شخص لديه تاريخ من التدخين تقييماً طبياً يأخذ في الاعتبار احتمال الإصابة بسرطان الرئة، وقد يشمل ذلك التصوير المقطعي المحوسب للرئتين أو إجراء فحوص أخرى وفقاً لتقدير الطبيب.
2. سرطان الثدي
عندما ينتشر سرطان الثدي إلى العظام، تكون فقرات العمود الفقري من المواقع التي قد يصل إليها المرض. وقد يؤدي هذا الانتشار إلى الشعور بألم في الظهر، لا سيما في منطقة أسفل الظهر، نتيجة تأثر العظام بالورم.
3. سرطان البروستاتا
يصيب سرطان البروستاتا الرجال الأكبر سناً بصورة رئيسية، وغالباً ما يتطور ببطء. ومع ذلك، قد ينتشر المرض في مراحله المتقدمة إلى عظام العمود الفقري أو الأضلاع أو الوركين، حتى قبل ظهور أعراض أخرى واضحة.
وقد يظهر الألم في هذه الحالات على هيئة وجع خفيف ومستمر، أو ألم يبدو كأنه صادر من العظم نفسه.
4. سرطان العمود الفقري
يمكن أن تنمو الأورام داخل العمود الفقري أو بالقرب منه، رغم أن السرطان الذي يبدأ في هذا الموقع يُعدّ نادراً. وقد يمتد الألم الناجم عن هذه الأورام من الظهر إلى الساقين أو الوركين أو الذراعين أو الصدر، بحسب موقع الورم والأعصاب المتأثرة به.
وإذا ضغط الورم على الحبل الشوكي أو الأعصاب المحيطة به؛ فقد تظهر أعراض إضافية، مثل التنميل أو الوخز أو صعوبة المشي. كما يمكن أن تصبح فقرات العمود الفقري عرضة للكسور، إذا نما الورم بدرجة تؤدي إلى إضعاف العظام.
5. سرطان القولون
قد يحدث ألم الظهر المرتبط بسرطان القولون، عندما يضغط الورم على الأعصاب القريبة من العمود الفقري. وفي هذه الحالة، قد يترافق الألم مع أعراض أخرى في الجهاز الهضمي، مثل الإمساك أو الإسهال أو وجود دم في البراز.
6. سرطان الكلى
تقع الكليتان في الجزء الخلفي من الجسم، على جانبي العمود الفقري وفي المنطقة العلوية من البطن. ومع ذلك، فإن ألم الظهر ليس بالضرورة من الأعراض المبكرة لسرطان الكلى، وقد لا يظهر الألم في موضع الكليتين نفسه.
ويوضح الدكتور ساغ أن الألم المرتبط بالكلى غالباً ما يتركز في منطقة الخاصرة، أي في أحد جانبي الجسم. وفي المراحل المتقدمة، قد ينتشر سرطان الكلى إلى العمود الفقري؛ ما يؤدي إلى الشعور بألم في الظهر.
7. سرطان البنكرياس
يقع البنكرياس في الجزء الخلفي من البطن، ولذلك قد يمتد الألم الناجم عن سرطان البنكرياس إلى الظهر. وغالباً ما يتركز هذا الألم في منتصف الظهر، وتحديداً أسفل لوحي الكتف.
أعراض لا ينبغي تجاهلها عند الإصابة بألم الظهر
في معظم الحالات، لا يكون ألم الظهر وحده مؤشراً على الإصابة بالسرطان، وغالباً ما يرتبط بأسباب عضلية أو هيكلية شائعة. ومع ذلك، فإن ظهور أعراض أخرى بالتزامن معه قد يستدعي استشارة الطبيب لإجراء الفحوص اللازمة وتحديد السبب.
ومن أبرز العلامات التي ينبغي الانتباه إليها:
الأعراض العصبية: قد يشير الشعور بضعف العضلات أو التنميل، أو مواجهة صعوبة في المشي أو الحفاظ على التوازن، إلى وجود مشكلة تؤثر في الأعصاب. كما أن حدوث تغيرات جديدة في القدرة على التحكم في المثانة أو الأمعاء قد يدل على ضغط شديد على الأعصاب الموجودة في العمود الفقري، ويستدعي تقييماً طبياً عاجلاً.
فقدان الوزن أو الحمَّى من دون سبب واضح: إذا فقد الشخص وزناً من دون أن يتبع حمية غذائية أو يسعى إلى إنقاص وزنه، أو ظهرت لديه حمى لا يُعرف سببها؛ فقد تستدعي هذه الأعراض إجراء فحوص طبية، لا سيما إذا ترافقت مع ألم مستمر في الظهر. ولا تعني هذه العلامات بالضرورة الإصابة بالسرطان، إذ قد تنتج أيضاً عن حالات صحية أخرى، بما فيها العدوى.
الألم المستمر أو المتفاقم: قد يستدعي ألم الظهر الذي لا يتحسّن مع الراحة أو الأدوية التي تُصرف من دون وصفة طبية، أو تزداد حدته بمرور الوقت، تقييماً طبياً لتحديد السبب. ويوضح الدكتور ساغ أهمية الفحص، إذا استمر الألم لأكثر من أسبوع، ولا سيما إذا لم يختفِ خلال شهر.ومع ذلك، لا ينبغي الانتظار هذه المدة إذا كان الألم شديداً أو ترافق مع علامات تحذيرية أخرى.
وجود تاريخ سابق للإصابة بالسرطان: يستدعي ظهور ألم جديد في الظهر لدى الأشخاص الذين سبق أن أُصيبوا بسرطان الثدي أو البروستاتا أو الرئة أو الكلى اهتماماً طبياً خاصاً؛ إذ يمكن لهذه الأنواع من السرطان أن تنتشر إلى العمود الفقري. وينبغي لهؤلاء إبلاغ الطبيب بالألم، خصوصاً إذا كان مستمراً أو متفاقماً، لتحديد الحاجة إلى إجراء فحوص إضافية.




