

وتتوقع أنثروبيك (مطورة نموذج Claude) إنفاق ما لا يقل عن 518 مليار دولار على الحوسبة والسحابة والبنية التحتية، في رهان يقوم على افتراض أن القيد الأكبر أمام نمو الذكاء الاصطناعي لن يكون نقص العملاء، بل نقص القدرة الحاسوبية نفسها، وذلك استناداً إلى نشرة الطرح العام الأولي السرية للشركة.
ويقول خبراء في أسواق المال إن الأكثر لفتاً للانتباه أن نحو 80% من هذه الالتزامات إما غير قابلة للإلغاء وإما يجب سدادها بغض النظر عن حجم الاستخدام الفعلي، ما يحول الحوسبة من تكلفة تشغيل مرنة إلى التزام مالي طويل الأجل يشبه، من الناحية الاقتصادية، عقود «خذ أو ادفع» المستخدمة في مشروعات الطاقة والغاز.
الحوسبة تتحول إلى عقد طويل الأجل
التزمت أنثروبيك بإنفاق ما لا يقل عن 111.1 مليار دولار مع غوغل، و110 مليارات مع أمازون، و31.4 مليار دولار مع مايكروسوفت خلال فترات تمتد بين سبعة وعشرة أعوام. وإذا لم يصل إنفاقها الفعلي لدى غوغل أو أمازون إلى الحد المتفق عليه، يتعين عليها دفع الفارق، أما اتفاق مايكروسوفت فلا يمكن إلغاؤه إلا في حالة إخلال جوهري من جانب الشركة.
ويضاف إلى ذلك نحو 161.2 مليار دولار من التزامات تأجير معدات مرتبطة بـ(Broadcom) وغير قابلة للإلغاء إلى حد كبير، وبذلك تصل التزامات أنثروبيك الثابتة تقريباً مع غوغل وأمازون ومايكروسوفت وبرودكوم وحدها إلى نحو 414 مليار دولار.
ويرى الخبراء أن الفكرة الأساسية وراء هذه العقود واضحة، وهي أن أنثروبيك تخشى أن يكون امتلاك المستخدمين والنماذج القوية أقل أهمية مستقبلاً من امتلاك الكهرباء ومراكز البيانات والرقائق اللازمة لتشغيلها.
مخاطرة ثابتة أمام إيرادات غير ثابتة
ولفت خبراء أسواق المال إلى مشكلة ثبات هيكل التكاليف، بينما يظل جانب الإيرادات أقل ضماناً.
حققت أنثروبيك إيرادات بلغت نحو 4.6 مليار دولار في 2025، بزيادة 12 ضعفاً على العام السابق، لكن مصروفاتها التشغيلية بلغت نحو 12.65 مليار دولار، بينها 7.33 مليار دولار للحوسبة والبنية التحتية وحدهما، فيما بلغت خسارتها التشغيلية 8.06 مليار دولار، وفق نتائج أعمال الشركة.
أما صافي الخسارة البالغ قرابة 42 مليار دولار، فيحتاج إلى قدر من الحذر عند قراءته؛ إذ جاء نحو 34 مليار دولار منه من شحنة محاسبية مرتبطة بإعادة تقييم أدوات تمويل قابلة للتحول إلى أسهم، وليس من خسائر تشغيلية نقدية مباشرة، وفق فورتشن.
وفي المقابل، حذّرت نشرة الطرح من أن نحو ربع إيرادات 2025 جاء من عميلين فقط، وأن عدداً من كبار العملاء ليست لديهم عقود طويلة الأجل تلزمهم بالحفاظ على الإنفاق.
والنتيجة هي عدم تطابق محتمل، حيث إن أنثروبيك ملتزمة بشراء الحوسبة لسنوات، بينما يستطيع بعض عملائها خفض مشترياتهم بوتيرة أسرع بكثير.
غوغل وأمازون وبرودكوم تربح من السباق قبل حسمه
هذا الهيكل يجعل موردي البنية التحتية من أوضح المستفيدين المباشرين من طفرة الذكاء الاصطناعي.
ونسجت غوغل شبكة تمويل ضخمة لتوفير أكثر من 150 مليار دولار من رقائق TPU لأنثروبيك، بمشاركة برودكوم (Broadcom) ومؤسسات تمويل مثل أبولو (Apollo) وبلاك ستون (Blackstone)، في نموذج يمزج بين تمويل الموردين والتأجير والائتمان الخاص.
وتطوّر غوغل رقائق (TPU) بالتعاون مع برودكوم، ما يمنح الطرفين تعرضاً مباشراً لازدياد الطلب على الحوسبة بصرف النظر عن الشركة صاحبة النموذج الذي سينتصر في النهاية.
أما أمازون فهي ليست مجرد مورد سحابة؛ فقد أعلنت أنثروبيك في أبريل التزاماً بأكثر من 100 مليار دولار على عشر سنوات للحصول على ما يصل إلى خمسة غيغاواط من قدرة AWS، مع استمرار أمازون كشريكها الرئيسي في الحوسبة والتدريب.
رهان أنثروبيك يقترب من حجم Stargate
يوضح خبراء أسواق المال أن الحجم يضع أنثروبيك مباشرة إلى جوار استراتيجية OpenAI للبنية التحتية، فمشروع ستارغيت (Stargate) أُعلن أساساً بهدف استثمار ما يصل إلى 500 مليار دولار في بنية الذكاء الاصطناعي، بمشاركة (OpenAI) و(SoftBank) و(Oracle) و(MGX).
وتطورت استراتيجية OpenAI لاحقاً نحو شبكة أوسع من الاتفاقات الثنائية المباشرة مع مزودي الرقائق ومراكز البيانات بدلاً من الاعتماد حصراً على هيكل Stargate الأصلي، وفق فايننشال تايمز.
والرهان واحد في جوهره: شراء القدرة اليوم قبل أن تصبح نادرة وغالية غداً.
الاختبار الحقيقي: هل تستطيع الإيرادات اللحاق بالحوسبة؟
هذه ليست مخاطرة تخص أنثروبيك وحدها، فقد قدّرت تحليلات أوردتها فايننشال تايمز أن شركات الحوسبة السحابية الأميركية الكبرى قد تنفق نحو 800 مليار دولار في 2026 و1.1 تريليون دولار في 2027، بينما تحتاج إلى مئات المليارات من الدولارات من إيرادات الذكاء الاصطناعي سنوياً لتبرير تلك الاستثمارات اقتصادياً.
ويقول خبراء أسواق المال إنه بالنسبة لأنثروبيك، يعني ذلك أن طرحاً قد تتجاوز قيمته تريليوني دولار لن يكون مجرد اختبار لشهية وول ستريت لأسهم الذكاء الاصطناعي، بل سيكون اختباراً لفكرة أعمق، وهي هل ستصبح القدرة الحاسوبية بالفعل مورداً نادراً إلى درجة تبرر شراء نصف تريليون دولار منها مقدماً، أم تتحول العقود التي صُممت لحماية أنثروبيك من الندرة إلى أكبر عبء عليها إذا تباطأ الطلب أو هبطت تكلفة تشغيل النماذج؟




