

في وقتٍ تدفع فيه أزمة الطاقة الشركات إلى حساب تكلفة كل برميل وكل شحنة، تخوض شركات التكنولوجيا سباقاً مختلفاً: بناء المزيد من مراكز البيانات وشراء المزيد من الرقائق. وبين هاتين القوتين المتعاكستين، يجد الاقتصاد العالمي أحد أسباب قدرته على مواصلة النمو.
فقد أصبحت طفرة الذكاء الاصطناعي أكبر من قصة أسهم تقنية، مع امتداد أثرها إلى المصانع والإنشاءات والكهرباء والتجارة. وهذا يُثير سؤالاً: هل أصبح القطاع كبيراً لدرجة أنه يمنع الاقتصاد العالمي من التباطؤ أم أن النمو بات أكثر اعتماداً على استمرار الإنفاق عليه؟
فبحسب مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، تساعد الاستثمارات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي على إبقاء النمو العالمي قرب 3%، رغم الضغوط الناتجة من صدمة إمدادات الطاقة.
وقالت غورغييفا، في افتتاح الاجتماعات السنوية للصندوق والبنك الدولي في بانكوك، إن «الذكاء الاصطناعي، سواء أحببتموه أم كرهتموه، أصبح موجوداً بالفعل». وأوضحت أن تسارع الاستثمار يساعد الاقتصاد على مواصلة النمو، في وقت تسحبه صدمة الطاقة في الاتجاه المعاكس.
لكن السؤال الذي يُثيره هذا التصريح يتجاوز حجم الطفرة: إذا كان إنفاق شركات التكنولوجيا يساعد الاقتصاد على الصمود اليوم، فإلى أي مدى أصبح النمو حساساً لأي تباطؤ في هذا الإنفاق؟
كيف يدعم الذكاء الاصطناعي الاقتصاد؟
وصفت غورغييفا الطفرة بأنها «صدمة طلب» و«صدمة استثمار». والمقصود هنا دفعة توسعية: إنفاق جديد يرفع الطلب على المعدات والخدمات والطاقة.
لفهم هذا الأثر، يكفي النظر إلى ما يحدث قبل تشغيل أي نموذج. إنشاء مركز بيانات يحتاج إلى مبانٍ ورقائق وخوادم وشبكات اتصال وأنظمة تبريد وإمدادات كهرباء. وكل مرحلة تعني طلبات جديدة لموردين وإنفاقاً يمتد إلى قطاعات متعددة.
وهكذا، يتحول السباق بين شركات التكنولوجيا إلى نشاط اقتصادي يتجاوز حدودها، وتستفيد منه أيضاً الدول التي تصنع المعدات والمكونات، حتى إن لم تكن مقراً للشركات المطوّرة للنماذج.
ويقدّر صندوق النقد، في تقريره السنوي لعام 2026، أن الاستثمارات التقنية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي أضافت نحو نصف نقطة مئوية إلى نمو الناتج الأميركي في 2025. وهذه مساهمة في معدل النمو، وليست حصة من حجم الاقتصاد.
أكثر من 700 مليار دولار في خطط أربع شركات
أرقام الشركات تكشف حجم هذه الموجة. فأمازون تتوقع نفقات رأسمالية بنحو 220 مليار دولار في 2026، بينما تخطط ألفابت، الشركة الأم لغوغل لإنفاق 195 إلى 205 مليارات دولار. أما مايكروسوفت فتتوقع نحو 175 مليار دولار، وميتا ما بين 130 و145 مليار دولار.
وبجمع التوجيهات المعلنة، يصل الإنفاق المتوقع للشركات الأربع إلى نحو 720–745 مليار دولار خلال عام واحد، وهو حجم يوضح لماذا أصبحت قراراتها الاستثمارية مهمة للمصانع والموردين وشركات الطاقة، وليس لمساهميها فقط.
وهذا المجموع ليس رقماً رسمياً موحداً لاستثمارات الذكاء الاصطناعي، فالنفقات تشمل أيضاً الحوسبة السحابية وأعمالاً أخرى، وتختلف طريقة احتساب الإيجارات بين الشركات. وتبقى هذه الأرقام خططاً للإنفاق خلال العام، وليست مبالغ أُنفقت بالكامل بالفعل.
لماذا تمتد الفوائد إلى آسيا؟
قالت غورغييفا إن هذه الاستثمارات قد تعزّز النمو في الاقتصادات الآسيوية المتقدمة بنحو نصف نقطة مئوية إلى نقطة كاملة، وفي الاقتصادات الآسيوية الناشئة بما يتراوح بين 0.2 و0.8 نقطة مئوية.
وأشارت إلى الولايات المتحدة والصين والهند بوصفها من أهم المنتجين في سلسلة إمداد الذكاء الاصطناعي، فيما توجد شركات كثيرة تبني البنية التحتية اللازمة في آسيا، من بينها تايلاند.
فالإنفاق الذي يبدأ لدى شركة أميركية قد يتحول إلى طلب على رقائق أو مكونات أو معدات تُنتج في اقتصاد آخر. وتقدم «تي إس إم سي» مثالاً حديثاً: ارتفعت إيرادات الشركة في الربع الثالث من 2026 بنسبة 50% على أساس سنوي.
لكن استفادة بلد من تصدير المعدات تختلف عن استفادته من استخدام التكنولوجيا داخلياً. الأولى تدعم الصناعة والتجارة، بينما الثانية تحدد قدرة الشركات المحلية على تحسين الإنتاجية والمنافسة.
نمو اليوم مختلف عن إنتاجية الغد
الإنفاق على بناء مراكز البيانات لا يعني أن مكاسب الإنتاجية تحققت بالكامل.
هناك فرق بين شركة تشتري معدات وتبني منشآت، وشركة تستخدم الذكاء الاصطناعي لتنتج أكثر بالموارد نفسها. الأولى تضيف إلى الطلب مباشرة، أما الثانية فقد ترفع قدرة الاقتصاد على الإنتاج بمرور الوقت.
لذلك، تدعم موجة الاستثمار النشاط اليوم، بينما تعتمد استدامة أثرها على انتشار الأدوات وقدرتها على تحسين العمل وخفض التكاليف.
ومن هنا تأتي أهمية حديث غورغييفا عن نمو عالمي قرب 3%: التكنولوجيا تساعد على تعويض بعض الضغوط، لكنها لا تلغي أثر الطاقة المرتفعة أو ضعف النشاط في اقتصادات أخرى. وكان الصندوق قد توقع هذه النسبة في يوليو، على أن يصدر تحديث توقعاته الثلاثاء 13 أكتوبر الجاري.
القطاع الذي يخفف صدمة الطاقة يحتاج إلى المزيد منها
هنا تظهر مفارقة القصة: الذكاء الاصطناعي يدعم النشاط في مواجهة صدمة الطاقة، لكنه يضيف أيضاً طلباً على الكهرباء.
وتشير وكالة الطاقة الدولية، في تحديثها الصادر في أبريل 2026، إلى ارتفاع استهلاك مراكز البيانات للكهرباء 17% في 2025، وارتفاعه 50% في المراكز المخصصة للذكاء الاصطناعي.
وتتوقع زيادة استهلاك جميع مراكز البيانات من نحو 485 تيراواط ساعة في 2025 إلى 950 تيراواط ساعة في 2030، بما يقارب 3% من الطلب العالمي على الكهرباء. أما استهلاك المراكز المخصصة للذكاء الاصطناعي فقد يصل إلى ثلاثة أمثاله خلال الفترة نفسها.
ورغم أن الحصة العالمية تبقى محدودة، فإن تجمع المشاريع في مناطق معينة قد يضغط على الشبكات ويؤخّر التشغيل. وهكذا، تصبح الكهرباء وتكلفة إمداداتها جزءاً من قدرة الطفرة على الاستمرار.
من سيموّل استمرار الطفرة؟
لم تعد المسألة محصورة في توافر الرقائق. فقد قال الرئيس التنفيذي لـ«برودكوم»، هوك تان، إن رأس المال سيكون أكبر قيد أمام الشركة مع استمرار التوسع في الذكاء الاصطناعي، رغم تقدمها في تجاوز نقص الرقائق والذاكرة.
وتكشف نتائج الشركات عن نمو الطلب على الحوسبة السحابية، بالتزامن مع ارتفاع فاتورة الاستثمار. ففي الربع الثاني من 2026، ارتفعت إيرادات «غوغل كلاود»، التي تشمل خدمات الذكاء الاصطناعي، 82% إلى نحو 24.8 مليار دولار.
وفي الفترة نفسها، بلغ الإنفاق الرأسمالي لألفابت 44.9 مليار دولار، متجاوزاً تدفقاتها النقدية التشغيلية، ما أدى إلى تسجيل تدفق نقدي حر سالب بنحو 5.9 مليار دولار.
هذه الأرقام تكشف حجم الأموال المطلوبة لبناء البنية التحتية، حتى مع نمو الإيرادات. ويصبح الاختبار هو قدرة الطلب على خدمات الحوسبة وأدوات الذكاء الاصطناعي على تبرير استمرار هذا الإنفاق.
وإذا تباطأت وتيرة الاستثمار، فقد ينتقل الأثر إلى الموردين والمطورين والمقرضين، عبر طلبات أقل وتأجيل المشاريع وتراجع توقعات الأرباح.
ويحذّر صندوق النقد من أن الترابط بين شركات تعمل كمستثمرين وموردين وعملاء لبعضها قد ينقل الضغوط من شركة إلى أخرى.
«تسونامي بطيء الحركة» يعيد تشكيل الوظائف
وصفت غورغييفا الذكاء الاصطناعي بأنه «تسونامي بطيء الحركة»، ستكون له آثار عميقة على الوظائف والتعليم والنمو، وحتى طريقة تحصيل الحكومات للضرائب.
وقالت إن نحو 40% من الوظائف قد تتأثر بمرور الوقت، عبر تعزيزها أو إضعافها أو إلغائها. وهذا لا يعني اختفاء 40% من الوظائف، فالتأثر يشمل أيضاً تغيير المهام وتحسين قدرة العامل على إنجازها.
وأشارت إلى دراسة أولية أظهرت أن 10% من الوظائف في الولايات المتحدة باتت تتطلب مهارات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وإلى تقلص الوظائف الروتينية والمتكررة، مقابل زيادة وظائف منخفضة الأجر في البناء ومراكز البيانات.
كما لفتت إلى التحول المتوقع من العمل إلى رأس المال. اقتصادياً، قد يغيّر ذلك توزيع الدخل بين الأجور والأرباح، ويُثير أسئلة عن القاعدة الضريبية والإنفاق المطلوب للتدريب والحماية الاجتماعية.
هل تصل الفوائد إلى الجميع؟
قدّم رئيس البنك الدولي، أجاي بانغا، زاوية تكمل قصة الاستثمار الضخم. فقال إن المؤسسة تركز على الاستفادة من «الذكاء الاصطناعي الصغير»، الذي لا يعتمد على النماذج اللغوية الكبيرة، لتحقيق مكاسب إنتاجية واسعة للمزارعين ومؤسسات الصحة والتعليم وغيرها في الأسواق الناشئة.
بمعنى عملي، لا تحتاج كل دولة أو مؤسسة إلى المشاركة في سباق بناء أكبر نموذج؛ فقد تحقق قيمة من أدوات متخصصة تساعدها على اتخاذ قرارات أفضل أو استخدام مواردها بكفاءة أكبر.
والفارق مهم: امتلاك البنية التحتية يتيح التقاط عوائد البناء والحوسبة، بينما استخدام التكنولوجيا على نطاقٍ واسع يحدد مقدار ما ينتقل من هذه العوائد إلى بقية الاقتصاد.
هل تختفي الدرجة الأولى من السلم المهني؟
في المقابل، حذّر رئيس سنغافورة، ثارمان شانموغاراتنام، من تراجع الطلب على الوظائف التي يدخل من خلالها الخريجون سوق العمل للمرة الأولى.
وقال إن هذه «الدرجة الأولى» تحتاج إلى اهتمام عاجل، داعياً إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لخلق وظائف جيدة وتمكين البشر من التقدم في مسيرتهم المهنية رغم التحولات التي تفرضها التكنولوجيا.
كما حذّر من أن التراخي قد يؤدي إلى «تباعد جديد» بين الاقتصادات المتقدمة والنامية، في النمو وخلق الوظائف.
وهنا يتسع معيار نجاح الطفرة: فارتفاع الإنفاق والأرباح لا يكفي إذا كانت فرص الدخول إلى سوق العمل تضيق، أو كانت الدول الأقل استعداداً تكتفي باستيراد التكنولوجيا دون بناء المهارات اللازمة للاستفادة منها.
الذكاء الاصطناعي.. هل يمنع التباطؤ؟
تدعم الأدلة إجابة أكثر تحديداً: الاستثمار المرتبط بالذكاء الاصطناعي أصبح كبيراً بما يكفي لتخفيف بعض الضغوط على النمو، خصوصاً في الاقتصادات المشاركة في بنائه وتوريده، لكنها لا تثبت أنه يستطيع وحده منع التباطؤ العالمي.
فالاقتصاد يستفيد اليوم من الأموال التي تُنفق لبناء هذه المنظومة. أمّا استدامة الفائدة فستعتمد على ما تنتجه بعد البناء: إيرادات تغطي التكلفة، وإنتاجية تنتشر خارج قطاع التكنولوجيا، وفرص يستطيع العاملون الاستفادة منها.
وهنا ينتقل الاختبار من حجم ما تنفقه الشركات إلى حجم القيمة التي تصنعها: هل تتحول مراكز البيانات والرقائق إلى أساس لنمو أوسع أم يبقى الاقتصاد محتاجاً إلى موجة إنفاق أكبر للحفاظ على الزخم؟




