لماذا تعجز البنوك المركزية عن معالجة أزمات الطاقة وسلاسل التوريد؟ : CNN الاقتصادية


شهد الاقتصاد العالمي خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الصدمات الهيكلية المتتالية، بدءاً من جائحة كوفيد-19، مروراً بالحرب الروسية الأوكرانية، وصولاً إلى التوترات الجيوسياسية والحرب الحالية الأميركية الإسرائيلية الإيرانية.
وقد أسفرت هذه الأحداث مجتمعة عن اضطرابات حادة في سلاسل التوريد العالمية وأزمات متعاقبة في قطاع الطاقة.
وعلى الرغم من التدخل السريع للبنوك المركزية للسيطرة على معدلات التضخم الناتجة عن هذه الأزمات، فإن فاعلية سياساتها التقليدية لا تزال موضع نقاش أكاديمي وعملي واسع، ما يشير إلى أن الأدوات النقدية الحالية غير مجهزة بشكل كافٍ للتعامل مع التضخم المدفوع بصدمات العرض، ويستدعي تحولاً نحو استراتيجيات طويلة المدى.
طبيعة التضخم المعاصر بين العرض والطلب
لفهم التحدي الحقيقي الذي يواجه البنوك المركزية اليوم، يجب التمييز بين آليتين مختلفتين لارتفاع الأسعار؛ الآلية الأولى تُعرف بتضخم الطلب، وتحدث عندما يتجاوز إجمالي الإنفاق والاستهلاك في المجتمع القدرة الإنتاجية للاقتصاد.
أما الآلية الثانية فهي تضخم التكاليف، وتنتج عن انخفاض المعروض من السلع والخدمات بسبب عوامل خارجية ترفع تكاليف الإنتاج، مثل القفزات في أسعار الطاقة والمواد الخام، أو التعطل المفاجئ في سلاسل الإمداد.
وفي سياق الأزمات المعاصرة، ينتمي التضخم الذي يشهده العالم بشكل أساسي إلى فئة تضخم التكاليف؛ فالأسعار لم ترتفع نتيجة رفاهية مفرطة أو زيادة في استهلاك الأفراد، بل بسبب ندرة السلع وارتفاع تكلفة شحنها وإنتاجها في ظل الصراعات والأوبئة.
قيود النظرية الكمية للنقود في الأزمات الحالية
تستند البنوك المركزية في صياغة سياساتها بشكل كبير إلى مبادئ “النظرية الكمية للنقود“، التي تفترض في جوهرها أن التضخم ينتج دائماً عن زيادة المعروض النقدي في الأسواق. وبناءً على هذه العقيدة الاقتصادية، تلجأ هذه المؤسسات إلى رفع أسعار الفائدة كأداة رئيسية ومباشرة لتقليل الاقتراض، وسحب السيولة، وبالتالي خفض الطلب الكلي.
ومع ذلك، تبرز إشكالية أكاديمية واضحة تتمثل في عدم تطابق هذا التشخيص التقليدي مع طبيعة الأزمة، مما يجعل العلاج غير فعال. فمن جهة، تتسم صدمات العرض بعدم مرونتها تجاه تغيرات أسعار الفائدة؛ إذ لا يمكن لقرارات رفع الفائدة أن تعيد تشغيل المصانع المتوقفة، أو تعوض النقص الحاد في إمدادات النفط والغاز، أو تحل الاختناقات اللوجستية في الموانئ العالمية.
ومن جهة أخرى، يفرض هذا النهج النقدي خطر الانزلاق نحو ما يُعرف بالركود التضخمي. فاستخدام سياسة انكماشية في وقت يعاني فيه الاقتصاد أصلاً تراجع الإنتاج يؤدي إلى زيادة تكلفة التمويل على الشركات التي تحاول التوسع لحل مشكلات الإمداد، ما يهدد بتباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة مع بقاء الأسعار عند مستوياتها المرتفعة.
الحاجة إلى استراتيجية نقدية طويلة المدى
نظراً لعدم قدرة أدوات السياسة النقدية قصيرة الأجل على معالجة هذه الاختلالات الهيكلية في جانب العرض، تبرز الحاجة الملحة لتحول جذري في تفكير البنوك المركزية نحو تبني استراتيجيات تنموية طويلة المدى.
يتطلب هذا التحول هندسة مالية جديدة لا تركز حصرياً على التحكم في حجم النقد، بل تلعب دوراً فعالاً بالتنسيق مع الحكومات في توجيه الائتمان وتسهيل التمويل نحو القطاعات الإنتاجية الحيوية التي تعاني نقصاً في العرض، ما يساعد في بناء اقتصادات أكثر مرونة وقدرة على الإنتاج المحلي.
وإلى جانب توجيه الائتمان، يجب إيلاء أهمية قصوى ومستدامة للاستثمار في البنية التحتية للطاقة البديلة. وبما أن أزمات الطاقة تُعد محركاً أساسياً للتضخم الحديث، فإن السياسات النقدية التي تدعم التمويل الأخضر وتسهل الاستثمارات في مصادر الطاقة المتجددة لم تعد مجرد ترف بيئي، بل أصبحت استراتيجية اقتصادية حتمية.
هذا التوجه هو السبيل العملي لتحرير الاقتصادات من تقلبات أسعار الوقود الأحفوري المرتبطة بالنزاعات الجيوسياسية، وضمان استقرار مستويات الأسعار على المدى الطويل. في الختام، يمكن القول إن الاعتماد المفرط على النظرية الكمية للنقود وأداة أسعار الفائدة لم يعد كافياً لمعالجة أزمات القرن الحادي والعشرين المدفوعة باختلالات العرض وشح الموارد.
ولضمان الاستقرار الاقتصادي المستدام، يجب على البنوك المركزية تبني مقاربة أوسع تدمج بين الاستقرار النقدي وتطوير الاقتصاد الحقيقي، مع وضع تأمين سلاسل التوريد وتسريع التحول نحو الطاقة البديلة في صميم تفويضها الجديد، لحماية الاقتصاد العالمي من التداعيات المدمرة للصدمات المستقبلية.
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.




