شؤون عربية ودولية

المرونة التشغيلية.. الاختبار الحقيقي لقطاع الطاقة في الخليج : CNN الاقتصادية



خلال الأسابيع الماضية طغى منظور «حجم الأضرار» على موضوع قطاع الطاقة في الخليج، وهو أمر مفهوم، فقد شهدنا هجمات استهدفت مواقع صناعية وموانئ وناقلات، في وقت يظل فيه مضيق هرمز نقطة الاختناق الأساسية لصادرات الطاقة وعمليات التعافي.

ويمر عبر هذا المضيق نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، وقد أعادت الهجمات الأخيرة التأكيد على مدى هشاشة الأسواق الإقليمية والعالمية أمام أي تعطّل في هذا الممر الحيوي.

لكن السؤال الأكثر أهمية اليوم لم يعد: ماذا تضرر؟ بل: ما الذي لا يزال قادراً على العمل بكفاءة؟ وما الذي يمكن إعادة توجيهه؟ وما مدى سرعة تكيّف المشغّلين مع الواقع الجديد؟

تشير التقديرات الحالية إلى أن الأثر المادي لهذا النزاع قد تجاوز على الأرجح حجم الأضرار التي لحقت بقطاع الطاقة خلال حرب الخليج 1990-1991، سواء من حيث الدمار المباشر أو توقف الأعمال، إنها صدمة كبيرة ستنعكس تداعياتها على التضخم العالمي، وأسعار التأمين، وتكاليف التمويل، وسلاسل الإمداد في المراحل اللاحقة.

ومن هنا تتجاوز القصة حدود النفط والغاز، فالمعادن، والألمنيوم، والبتروكيماويات، كلها تخضع للاختبار نفسه، ففي الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، حتى الانقطاع القصير في الكهرباء أو الخدمات اللوجستية قد يؤدي إلى خسائر غير متناسبة، ويبرز قطاع الألمنيوم مثالاً واضحاً على ذلك، إذ إن توقف الطاقة لفترة طويلة يجعل إعادة التشغيل عملية مكلفة للغاية خلال وقت قصير.

ومع ذلك لا يعني هذا أن منظومة الطاقة في الخليج قد تضررت بشكل هيكلي، فما زال جزء كبير من القدرات الإنتاجية والبنية التحتية اللوجستية والكفاءات التشغيلية قائماً، والسؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت المنطقة قادرة على الاستمرار، بل إلى أي مدى يمكن للمشغّلين إعادة تشكيل عملياتهم، وتوجيهها، والحفاظ على الإنتاج في ظل استمرار الاضطرابات.

ما يمنحني قدراً من الثقة هو أن المنطقة لا تقف مكتوفة الأيدي، فالمشغّلون الأكفّاء يفعلون ما اعتادوا عليه في أوقات الضغط: تعديل خطط الإنتاج، إعطاء الأولوية للطلب المحلي عند الحاجة، إعادة توجيه مسارات الشحن، وتغيير مزيج المنتجات، ففي قطاع البتروكيماويات يستطيع بعض المنتجين التحوّل من إنتاج المواد السائلة إلى الصلبة، ما يسهل نقلها براً وتصديرها عبر مسارات بديلة، ببساطة هم يحاولون الحفاظ على تدفق المنتجات.

كما يبادر آخرون إلى تقديم مواعيد الصيانة الدورية، فإذا تعذّر التصدير بكفاءة في الوقت الحالي، يمكن استغلال هذه الفترة لإجراء أعمال الصيانة الشاملة، بما يحافظ على القدرة الإنتاجية مستقبلاً عند إعادة فتح المسارات، قد لا يلغي ذلك الخسائر، لكنه يحوّل جزءاً منها إلى مسألة توقيت بدلاً من أن تكون خسارة دائمة.

ويلعب التأمين أيضاً دوراً ضمن معادلة المرونة هذه، فالتغطية التأمينية ليست موحّدة عبر السوق، إذ تعكس ميل كل شركة للمخاطر، فبعض الشركات تتمتع بحماية قوية، بينما اختارت أخرى الاحتفاظ بجزء أكبر من المخاطر، وفي مثل هذه الظروف قد تلجأ الشركات إلى إجراءات استباقية لإدارة المخاطر، مثل نقل المخزون، وخفض مستويات الإنتاج، وتخفيض كثافة التشغيل، لتعزيز قدرة البنية التحتية للطاقة على الصمود في حال وقوع أضرار.

كما بدأت الاستثمارات السابقة في تعزيز المرونة تؤتي ثمارها بشكل أوسع، سواء عبر شبكات الأنابيب، أو مرونة الخدمات اللوجستية، أو تنوع المنتجات، أو خبرة فرق التشغيل، أو حتى استراتيجيات تحويل المخاطر الأكثر تطوراً، أما الشركات الأكثر عرضة للضغط فهي تلك التي لا تزال تعتمد بشكل كبير على نقل السوائل عبر ممرات بحرية محدودة، مع خيارات محدودة عند حدوث اضطرابات.

في المقابل تتعامل الشركات التي تمتلك مرونة أكبر في المسارات والمنتجات وإدارة المخاطر مع الوضع بشكل أفضل.

ولا ينبغي الخلط بين ذلك وبين التراخي، فالتعافي سيستغرق وقتاً، وحتى مع تحسن الظروف لن تعود أنماط الشحن إلى طبيعتها بين ليلة وضحاها، الخسائر حقيقية، وتداعياتها عالمية، لم تعد القصة مجرد أضرار، بل اختبار حقيقي للمرونة التشغيلية، وحتى الآن تُظهر المنطقة قدرة على الصمود تفوق ما يتوقعه كثيرون.

تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى