شؤون عربية ودولية

دور الجزائر في سوق الطاقة العالمي : CNN الاقتصادية



تشير المؤشرات الإنتاجية والاستثمارية في الجزائر إلى دخول البلاد مرحلة إعادة تموضع استراتيجي داخل سوق الطاقة في حوض المتوسط، مدعومة بقاعدة احتياطيات كبيرة، وبنية تحتية تصديرية متقدمة، وبرنامج استثماري من بين الأكبر إقليمياً.
تمتلك الجزائر احتياطيات مؤكدة تقارب 12 مليار برميل من النفط ونحو 2.3 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، ما يضعها ضمن أكبر عشرة بلدان من حيث احتياطات الغاز عالمياً، ويبلغ متوسط إنتاجها اليومي نحو مليون برميل من النفط، فيما يتجاوز إنتاج الغاز 130 مليار متر مكعب سنوياً بين إنتاج موجه للسوق المحلية والتصدير.

أهم ثلاثة مزودين للغاز إلى أوروبا

وتُعد الجزائر من بين أهم ثلاثة مزودين للغاز إلى أوروبا، بطاقة تصديرية تفوق 100 مليار متر مكعب سنوياً عبر الأنابيب والغاز الطبيعي المسال، وتشمل بنيتها التحتية خط “ترانسميد” نحو إيطاليا بطاقة تقارب 32 مليار متر مكعب سنوياً، وخط “ميدغاز” نحو إسبانيا بطاقة تفوق 10 مليارات متر مكعب بعد التوسعة، إضافة إلى محطات تسييل الغاز التي تجعلها من أوائل الدول التي دخلت سوق LNG عالمياً.

في هذا السياق تقود سوناطراك خطة استثمارية تتجاوز 50–60 مليار دولار خلال الفترة 2026–2030، مع تركيز واضح على تكثيف الاستكشاف وتطوير الحقول الجديدة، وتشير البيانات إلى برامج حفر تقارب 500 بئر سنوياً بين استكشافية وتطويرية، في مسعى لرفع معدل تعويض الاحتياطات إلى مستويات مستدامة، وهو مؤشر حاسم لاستمرارية الدور التصديري.

عقود وشراكات جديدة مع شركات دولية كبرى

كما تم توقيع عقود وشراكات جديدة مع شركات دولية كبرى سواء إفريقية أو غيرها، ما يعكس تحسناً في جاذبية المناخ الاستثماري بعد إصلاح الإطار القانوني للمحروقات.

إعادة التموضع لا تقتصر على المنبع، إذ تم تخصيص ما يقارب 13% من الاستثمارات للبتروكيمياء والصناعات التحويلية، في توجه يهدف إلى رفع مساهمة الأنشطة ذات القيمة المضافة وتقليص الاعتماد على الواردات، هذا التحول يعكس انتقالاً تدريجياً من نموذج تصدير المواد الخام إلى نموذج صناعي طاقوي أكثر تكاملاً.

وعلى مستوى التنويع الصناعي، يمثل مشروع غار جبيلات أحد أكبر احتياطات خام الحديد في العالم باحتياطات تُقدَّر بأكثر من 3 مليارات طن في مرحلته الأولى القابلة للاستغلال، ما يفتح آفاقاً لصناعة الفولاذ وطنياً وتكون داعمة للبنية التحتية والطاقة، هذا البعد المعدني يعزز مفهوم الأمن الصناعي المرتبط بالأمن الطاقوي.

الجزائر تربط إفريقيا وأوروبا

من منظور جيو-اقتصادي، تستفيد الجزائر من موقعها كبوابة تربط بين إفريقيا وأوروبا، ومن شبكة أنابيب مباشرة تقلل مخاطر العبور البحري، في وقت يشهد فيه أمن الطاقة الأوروبي إعادة صياغة عميقة، ويعزز هذا الموقع برنامج استثماري كثيف يجعل الجزائر من أكثر الأسواق الطاقوية ديناميكية في البحر الأبيض المتوسط من حيث الإنفاق الرأسمالي وحجم المشاريع قيد التطوير.

رغم التحديات المتعلقة بالكفاءة التشغيلية وتسريع الإنجاز وجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية، فإن المؤشرات الرقمية —من حجم الإنتاج إلى كثافة الاستكشاف والإنفاق— توحي بأن الجزائر لا تتحرك ضمن دورة ظرفية، بل ضمن استراتيجية طويلة الأمد لإعادة التموضع الإقليمي.

في المحصلة، يتشكل نموذج اقتصاد طاقوي جزائري يقوم على ثلاثة مرتكزات: احتياطيات كبيرة، بنية تحتية تصديرية قوية، واستثمارات تفوق 60 مليار دولار خلال خمس سنوات، وهي معطيات تضع الجزائر في موقع فاعل أساسي داخل معادلة الطاقة المتوسطية، ليس كمورد تقليدي فحسب، بل كقطب طاقوي يعيد صياغة دوره الإقليمي بثقل اقتصادي متصاعد.

تشهد الجزائر اليوم تحولاً عميقاً في هندسة اقتصادها الطاقوي واستراتيجيتها الإنتاجية، بما يعيد رسم موقعها داخل معادلة الطاقة في في حوض البحر المتوسط، فتكثيف الاستكشاف وتوسيع القدرات التصديرية وتطوير الصناعات التحويلية لا يعكس زيادة في حجم الإنتاج فحسب، بل يؤسس لقوة طاقوية أكثر تأثيراً واستدامة، ويكتسب هذا المسار وزناً إضافياً في ظل استقرار سياسي ومؤسساتي يمنح الشركاء الدوليين رؤية أوضح وأفقاً استثمارياً طويل المدى، ما يعزز موقع الجزائر كفاعل إقليمي قادر على التأثير في توازنات السوق خلال السنوات المقبلة.

تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى