شؤون عربية ودولية

ديناميكيات الدين العالمي.. بين رهانات التنمية وإعادة تشكيل النظام المالي : CNN الاقتصادية



بلغ إجمالي الدين العالمي رقماً قياسياً يناهز 353 تريليون دولار في مطلع عام 2026، وهو رقم لا يمكن اختزاله في مجرد «عبء مالي» يُثقل كاهل الدول والشعوب، بل يُجسّد هذا الرقم الضخم حقيقةً أعمق: الدَّين بات أداةً للسيادة الاقتصادية، ووقوداً لسباق القوى الكبرى نحو تعزيز نفوذها التكنولوجي والصناعي. فكيف نفهم هذا الواقع المالي المتشعّب في أبعاده وتداعياته؟

لفهم المشهد على حقيقته، لا بدّ من التمييز الدقيق بين نوعين من الالتزامات المالية، يمثّل الدين الخاص —الصادر عن الشركات والأسر— نحو 250 تريليون دولار على المستوى العالمي، فيما تبقى حصة الديون السيادية حدود 100 تريليون دولار، في الولايات المتحدة حجم الدين الحكومي نحو 34 تريليون دولار وحجم الدين الخاص نحو 65 تريليون دولار وفي الصين، تجاوز دين الشركات 160% من الناتج المحلي الإجمالي، إذ تُوظّفه الدولة ذراعاً لتمويل مصانعها العملاقة وتسريع التصنيع، أما في الولايات المتحدة؛ فيتوزع هذا الدين بين تمويل قطاع التقنية والرهن العقاري الأسري بنسبة تقترب من 150% من الناتج، وعلى الصعيد السيادي؛ تتصدر الولايات المتحدة المشهد بنسبة تتخطى 125%، في حين تحافظ الصين رسمياً على نسبة تدور حول 88%، وإن كانت موارد الإنفاق على البنية التحتية الإقليمية تُلمّح إلى أرقام أكبر بكثير.

وتحتفظ سندات الخزانة الأمريكية بمكانتها بوصفها «الملاذ الآمن» الأول للمستثمرين، ليس بفضل التقاليد وحدها، بل لأسباب بنيوية راسخة؛ فهي المرجع الذي تُقاس عليه تكاليف الاقتراض في سائر أنحاء العالم، حيث يطلب المستثمرون دائماً علاوةً إضافية فوق عائد هذه السندات لتعويض مخاطر أصولهم الأخرى. فضلاً عن ذلك، يمنح الدولار —بوصفه عملة الاحتياط العالمي— هذه السندات سيولةً استثنائية لا يجاريها منافس، وتنظر إليها البنوك المركزية وصناديق الاستثمار حول العالم كأصل خالٍ من المخاطر (Risk-Free)، يستحق أن يُشكّل العمود الفقري لأي محفظة مالية.

غير أن الأبرز في المشهد الراهن هو انتقال مفهوم الدين الحكومي من «رقعة لتغطية العجز» إلى «وقود التنمية والمنافسة»، تُجسّد تجربتا الولايات المتحدة والصين هذا التحوّل بوضوح لافت. في واشنطن، تُوظَّف عائدات الإصدار السيادي لتمويل قانون الحد من التضخم (IRA) ودعم صناعة الرقائق الإلكترونية وتحفيز البحث العلمي، إلى جانب الإنفاق الاستراتيجي على الصحة والتعليم بوصفهما ركيزتين لا غنى عنهما للقوة العاملة المتنافسة. وفي المقابل، يُشكّل الدين الحكومي الصيني المحرك الأساسي لمشاريع البنية التحتية فائقة التطور وقطاعات الطاقة المتجددة، صانعاً بيئةً تتمدد فيها الصناعة الصينية بثبات نحو الصدارة العالمية.

وعلى المدى المنظور، يبدو أن التحولات الجيوسياسية وموجات التوترات التجارية بدأت تُحدث شقوقاً في منظومة الهيمنة المطلقة لسندات الخزانة الأميركية، يتوجه المستثمرون المؤسسيون بصورة متزايدة نحو السندات الأوروبية واليابانية سعياً للتنويع والحماية من مخاطر «تسييس الدولار». هذا التوجه لن يُطيح بمكانة الدولار غداً، لكنه يضع الأسس التدريجية لنظام مالي متعدد الأقطاب تتراجع فيه الأحادية المالية، ويكتسب فيه توزيع الاحتياطيات والمحافظ طابعاً أكثر توازناً وتعقيداً.

يتجلى البُعد الأكثر إثارةً للقلق حين نقارن ديون الدول المتقدمة بنظيرتها في الدول النامية. الأولى تستند إلى مؤسسات راسخة وثقة أسواق عميقة، ما يُبقي تكاليف اقتراضها منخفضةً نسبياً رغم ضخامة أرقامها. أما الثانية، فتجد نفسها أمام عبء مضاعف: فوائد مرتفعة تعكس المخاطر المُتصوَّرة، وتقلبات أسعار صرف تُفاقم الأعباء، وهشاشة مؤسسية تجعل الوصول إلى أسواق رأس المال أمراً عسيراً، هذه الفجوة ليست محايدة؛ إنها تُكرّس التفاوت الهيكلي بين الشمال والجنوب، وتُقيّد قدرة الدول النامية على توظيف الدين أداةً للتنمية كما تفعل نظيراتها الغنية.

خلاصة القول، نحن أمام عصر «الاقتصاد القائم على الدين الهادف». لن تُقاس قوة الدول في المستقبل بحجم ما تملكه من سيولة، بل بمدى قدرتها على توظيف إصداراتها السيادية في ابتكار المستقبل وصياغة موقعها في الخريطة الاقتصادية العالمية. والسؤال الحقيقي الذي يطرحه هذا الواقع ليس: كم يبلغ الدين؟ بل: أين يذهب هذا الدين، ومن يستفيد منه في نهاية المطاف؟

تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى