من الذكاء الاصطناعي إلى اقتصاد المستقبل : CNN الاقتصادية


من الذكاء الاصطناعي إلى اقتصاد المستقبل، لا يبدأ تصحيح المسار من الخوارزمية، بل من القائد القادر على توجيهها، ومن الإنسان القادر على تحمّل تبعاتها.
فالذكاء الاصطناعي لم يعد ملفاً تقنياً يُدار في وحدات التحول الرقمي، بل أصبح اختباراً مباشراً لقدرة الدول على إعادة تصميم مؤسساتها، ونماذجها الاقتصادية، ومنظومة القرار العام.
ومن هذا المنطلق، فتح برنامج خبراء الإمارات -الذي انطلق عام 2019 لبناء قيادات وطنية في مختلف القطاعات الحيوية- باب التقدّم إلى مسار الذكاء الاصطناعي أمام الكفاءات الإماراتية، ممن يتمتعون بخبرات تقنية أو استراتيجية قوية في مجالات مثل علم البيانات أو السياسات الرقمية أو الابتكار، إلى جانب الالتزام بدعم الأولويات الوطنية لدولة الإمارات من خلال توظيف حلول وتقنيات الذكاء الاصطناعي، كما يُتوقع من المتقدّمين أن يكونوا منخرطين في مبادرات ريادية أو مشروعات خاصة تركز على مجال الذكاء الاصطناعي.
ومن المقرر اختيار المشاركين بناءً على معايير تشمل التميّز الأكاديمي والمهني، والقدرات القيادية، إضافة إلى القدرة على تحويل المعرفة والخبرة إلى أثر عملي ملموس على مستوى القطاعات الوطنية.
لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي حديثاً عن مستقبل بعيد، في الواقع هو حديث عن الحاضر، وعن الطريقة التي تختار بها الدول أن ترى نفسها بعد عقد من الآن.
وفي دولة الإمارات، لا يُطرح الذكاء الاصطناعي كموضة تقنية عابرة، ولا كسباق على عدد المختبرات أو النماذج، بل كسؤال سيادي عميق: من يقوده؟ ولماذا؟ وكيف يُدار؟
تشير التقديرات الاقتصادية العالمية إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يضيف ما بين 13 و15 تريليون دولار أميركي إلى الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030، وأن يرفع متوسط الإنتاجية العالمية بنحو 1 إلى 1.2 نقطة مئوية سنوياً.
غير أن التجربة الدولية تُظهر في الوقت ذاته أن نسبة كبيرة من مبادرات الذكاء الاصطناعي لا تنتقل من مرحلة التجارب إلى التشغيل واسع النطاق.
الأدبيات الاقتصادية لا تفسّر هذا التباطؤ باعتباره فشلاً تقنياً، بل نتيجة مباشرة لفجوة تنظيمية وقيادية.
فالدراسات المحكّمة في اقتصاد التكنولوجيا تشير بوضوح إلى أن مكاسب الإنتاجية من الذكاء الاصطناعي لا تتحقق تلقائياً عند إدخال التقنية، وإنما تعتمد على استثمارات مؤسسية مكملة تشمل إعادة تصميم العمل، وتحديث الهياكل التنظيمية، وبناء القدرات القيادية، وإدارة التغيير داخل المؤسسات (Brynjolfsson, Rock & Syverson, 2019).
كما تؤكد دراسات الاقتصاد الكلي وسوق العمل أن الأثر الاقتصادي للذكاء الاصطناعي يتحدد إلى حد كبير من خلال الطريقة التي تُعاد بها هندسة المهام والمؤسسات، وليس من خلال مستوى الأتمتة وحده (Acemoglu & Restrepo, 2020).
وتشير تقارير السياسات العامة الصادرة عن OECD إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي على الإنتاجية يعتمد أساساً على الاستثمارات المكملة في المهارات، والتنظيم، وأطر الحوكمة، وإدارة التحول المؤسسي، وليس على الخوارزميات أو البنية التقنية وحدها (OECD, 2023).
بمعنى أدق، فإن الذكاء الاصطناعي ليس مشروع تكنولوجيا معلومات، بل مشروع إعادة تشكيل مؤسسي واقتصادي شامل.
في هذا السياق، يكتسب مسار الذكاء الاصطناعي في برنامج خبراء الإمارات بعده الحقيقي.
فالمسار لا يركّز على سؤال كيف يعمل الذكاء الاصطناعي، بقدر ما يركّز على سؤال كيف يجب أن يعمل داخل الدولة والمؤسسات.
كيف يمكن توظيفه دون أن يتحول إلى أداة إقصاء اجتماعي؟
كيف يُستخدم لتعزيز جودة القرار العام لا لاستبداله؟
وكيف تبقى الخوارزميات خاضعة للمساءلة المؤسسية والقانونية، لا أعلى منها؟
ولهذا يمتد تركيز المسار من قضايا البنية التحتية والنماذج، إلى قضايا الحوكمة، وبناء الأطر التنظيمية، والقيادة المستندة إلى القيم الإنسانية.
خلال الأعوام الأخيرة، برز عالمياً مفهوم الذكاء الاصطناعي السيادي بوصفه أحد أكثر مفاهيم السياسات التقنية حساسية.
وتشير الدراسات المقارنة إلى أن عدداً محدوداً فقط من الدول يعمل اليوم على بناء أطر متكاملة للسيادة الرقمية تشمل إدارة البيانات الوطنية الحساسة، والتحكم في دورة حياة النماذج، وضمان توافق أنظمة الذكاء الاصطناعي مع القوانين المحلية، وتقليص الاعتماد الاستراتيجي على منصات خارجية في القطاعات الحيوية.
وتُظهر تحليلات فجوة الجاهزية المؤسسية أن التحدي الأكبر أمام تبنّي الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع لا يتمثل في ضعف القدرات التقنية، بل في غياب الهياكل التنظيمية وأطر الحوكمة المناسبة (مؤشر الذكاء الاصطناعي 2024 – صادر عن معهد الذكاء الاصطناعي المتمركز حول الإنسان في جامعة ستانفورد).
فالاعتماد الواسع على منظومات خارجية في مجالات مثل الصحة، والبنية التحتية، والخدمات الحكومية، والطاقة، يعني عملياً نقل جزء من القدرة على توجيه القرار العام إلى خارج المجال التنظيمي الوطني.
ومن دون قيادات قادرة على فهم التشابك بين التقنية والسيادة والاقتصاد والحوكمة، يتحول الاستثمار في الذكاء الاصطناعي من فرصة استراتيجية إلى مخاطرة بنيوية.
ولا يمكن فصل هذا التحول عن بعده الإنساني.
تشير تقارير سوق العمل العالمية إلى أن نحو 14 في المئة من الوظائف الحالية مرشحة للاختفاء، وأن أكثر من 30 في المئة من الوظائف ستعاد صياغتها جذرياً بفعل الذكاء الاصطناعي والأتمتة خلال السنوات القادمة.
غير أن الأدبيات الاقتصادية تُظهر بوضوح أن الدول التي تحقق أفضل نتائج في مواجهة هذا التحول ليست تلك التي تركز فقط على إعادة تدريب الأفراد، بل تلك التي تستثمر في بناء قيادات قادرة على إدارة التحول المؤسسي نفسه، وإعادة تعريف نماذج العمل، وتوزيع المهام، ومنظومة الحوافز والإنتاجية (Bloom, Sadun & Van Reenen, 2020).
فالذكاء الاصطناعي لا يصنع العدالة الاقتصادية تلقائياً.
العدالة تُبنى عندما يُدار الذكاء الاصطناعي ضمن منظومة قيمية وتشريعية تضع الإنسان في قلب التحول، لا على هامشه.
وفي قلب مسار الذكاء الاصطناعي في برنامج خبراء الإمارات يقف مشروع التخرج.
ينجز كل مشارك مشروع تخرّج يركّز على مبادرة فردية في مجال الذكاء الاصطناعي تهدف إلى تحقيق نتائج ذات أثر ملموس ضمن قطاعه، وتؤكد دراسات القيادة الحكومية والتحول المؤسسي أن ربط برامج بناء القيادات بمشاريع واقعية يزيد بشكل كبير من احتمالات نجاح مبادرات التحول الرقمي مقارنة بالبرامج التدريبية النظرية وحدها (OECD, 2023).
وهنا يتحول التعلم إلى اختبار مؤسسي، والخبرة إلى مسؤولية عامة.
ربما يكمن الفرق الجوهري في التجربة الإماراتية في هذا السؤال البسيط:
هل نحن مستعدون لقيادة الذكاء الاصطناعي… لا لاستخدامه فقط؟
ليس تقنياً فحسب، بل أخلاقياً، ومؤسسياً، وإنسانياً.
فالذكاء الاصطناعي لا يغيّر الدول وحده.
الذي يغيّرها هم القادة الذين يعرفون متى يستخدمونه، ومتى يضعون له حدوداً، وكيف يجعلونه في خدمة الإنسان والاقتصاد الوطني، لا فوقهما.
وفي هذا السياق، لا يمثل مسار الذكاء الاصطناعي في برنامج خبراء الإمارات مجرد مسار تدريبي جديد، بل فصلاً إضافياً في قصة دولة تراهن –مرة أخرى– على الإنسان… قبل أي خوارزمية.
وللكفاءات الإماراتية التي ترى في الذكاء الاصطناعي مسؤولية وطنية قبل أن يكون تقنية، فإن هذا المسار يفتح بابه لمن يملكون الخبرة، والاستعداد، والشجاعة لتحويل الرؤية إلى فعل، والسياسات إلى أثر.
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.




