شؤون عربية ودولية

عندما تتجاهل الأسواق القاعدة الموسمية.. صعود قياسي رغم “Sell in May” : CNN الاقتصادية



على مدار عقود، ظلّت مقولة “Sell in May and go away” واحدة من أشهر القواعد الموسمية في أسواق المال، إذ تشير إلى ميل تاريخي لضعف الأداء في الأسهم الأميركية خلال الفترة الممتدة من مايو حتى أكتوبر، مقارنةً بالنصف الأول من العام.

لكن أداء مايو 2026 قدّم نموذجاً معاكساً لهذا النمط التقليدي، بعدما واصلت المؤشرات الأميركية الرئيسية صعودها وسجلت مستويات قياسية جديدة، في مفارقة لافتة أعادت النقاش حول جدوى المؤشرات الموسمية في تفسير حركة الأسواق الحديثة.

يشير التحليل الأولي لأداء السوق في مايو 2026 إلى أن تأثير العوامل الموسمية تراجع بشكل واضح أمام قوى هيكلية أكثر تأثيراً؛ فبدلاً من الاستجابة النمطية للضعف الموسمي، تحرّكت الأسواق وفق ديناميكيات مرتبطة بالسيولة، وتوقعات الفائدة، وأرباح الشركات، وهي عوامل باتت أكثر حسماً في تشكيل اتجاهات السوق مقارنةً بالأنماط التاريخية.

هذا التحول يعكس تغيراً أعمق في بنية الأسواق المالية، حيث تقلّص تأثير “الأنماط الإحصائية” لصالح “البيانات الفورية” وسلوك المستثمرين المؤسسيين وصناديق المؤشرات.

ومن أبرز العوامل التي دعمت مكاسب الأسهم الأميركية خلال مايو 2026 تحسن شهية المخاطرة نتيجة تحولات في توقعات السياسة النقدية، فالأسواق بدأت تسعير مسار أقل تشدداً من جانب الاحتياطي الفيدرالي، مع توقعات بتثبيت الفائدة على المدى القريب ثم خفضها تدريجياً لاحقاً.

هذا التوجه أدى إلى إعادة تسعير الأصول ذات المخاطر العالية، خصوصاً أسهم النمو والتكنولوجيا، التي تستفيد عادةً من انخفاض تكلفة رأس المال، ومع تحسن السيولة في النظام المالي تدفقت رؤوس الأموال مجدداً نحو الأسهم بدلاً من أدوات الدخل الثابت.

أما العامل الآخر بالغ الأهمية فتمثل في استمرار قوة نتائج أرباح الشركات الأميركية، حيث أظهرت قطاعات رئيسية مثل التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والطاقة المتقدمة قدرة على تحقيق نمو يفوق التوقعات.

هذا الأداء عزز قناعة المستثمرين بأن التقييمات المرتفعة لبعض المؤشرات مبررة بنمو فعلي في الأرباح وليس مجرد مضاربات قصيرة الأجل.

ونتيجة لذلك، استمر الطلب المؤسسي على الأسهم الكبرى، ما أسهم في دفع المؤشرات إلى مستويات قياسية جديدة.

بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن فهم الزخم في مايو 2026 دون الإشارة إلى استمرار تأثير موجة الذكاء الاصطناعي في الأسواق.. هذه الموجة لم تعد مجرد قصة نمو قطاعي، بل أصبحت محركاً بنيوياً يعيد تشكيل أرباح الشركات وسلاسل الإنتاج والاستثمار الرأسمالي.

وكان للطلب المتزايد على البنية التحتية الرقمية، والحوسبة السحابية، والرقائق المتقدمة، دور مهم في دعم أسهم الشركات القيادية داخل المؤشرات الأميركية، ما عزز تأثيرها على الأداء العام للسوق، خصوصاً في مؤشرات مرجحة بالقيمة السوقية مثل S&P 500 وNasdaq.

كما أن الأسواق كانت قد استوعبت خلال الأشهر السابقة قدراً كبيراً من المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية.. ورغم استمرار بعض التوترات الجيوسياسية، فإن المستثمرين أظهروا قدرة أكبر على استيعابها مقارنة بالأشهر السابقة، ما سمح بعودة التركيز إلى الأساسيات الاقتصادية وأداء الشركات.

هذا الاستقرار النسبي ساعد المستثمرين على إعادة بناء مراكزهم في الأسهم، بدلاً من الاحتفاظ بسيولة دفاعية أو التحول إلى أصول منخفضة المخاطر.

والسؤال الأهم: لماذا تجاهلت الأسواق قاعدة “Sell in May” هذه المرة؟

النتيجة الأهم من أداء مايو 2026 ليست فقط تسجيل مكاسب قوية، بل إعادة تقييم صلاحية القواعد الموسمية في بيئة مالية متغيرة ومتسارعة؛ فهذه القاعدة نشأت في سياق تاريخي مختلف، حين كانت الأسواق أقل سيولة وأكثر ارتباطاً بالدورات الاقتصادية التقليدية.

أما اليوم، فإن الأسواق تتحرك وفق مجموعة واسعة من المحركات المتزامنة، من السياسة النقدية إلى الذكاء الاصطناعي وأرباح الشركات، ما يقلل من قدرة الأنماط الموسمية وحدها على تفسير الأداء أو التنبؤ باتجاهات السوق.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى