

التحدي هائل، ووفقاً للأمم المتحدة من المتوقع أن يقترب عدد سكان العالم من 9.7 مليار نسمة بحلول عام 2050، بزيادة تبلغ 18%، ما يزيد الاستهلاك على الطاقة، وفي الوقت نفسه تتزايد عملية التحضر بين المجتمعات، حيث يعيش المزيد من الناس (70%) في مدن مكتظة بالسكان ومجمعات سكنية شاهقة الارتفاع، حيث لا تُعد الكهرباء مجرد وسيلة راحة، بل شرطاً أساسياً للحياة اليومية، المصاعد ومنظومة المياه والإنارة والإنترنت إلى الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ومتطلبات البنية التحتية الاقتصادية والخدماتية والصحية والتعليمية، كلها تشكل الحياة الحضرية الحديثة وتتطلب الوصول الموثوق إلى الطاقة.
سيؤدي النمو الاقتصادي إلى تضخيم هذا الاتجاه بشكل أكبر، حيث من المتوقع أن يتضاعف الناتج المحلي الإجمالي العالمي تقريباً بحلول منتصف القرن، ما سيؤدي إلى ارتفاع مستويات المعيشة ومضاعفة استهلاك الطاقة في كل من الاقتصادات المتقدمة والناشئة، سيدخل مئات الملايين من الناس إلى الطبقة الوسطى، ما سيزيد الطلب على النقل والتصنيع والتدفئة والتبريد والخدمات الرقمية، وتتوقع وكالة أوبك والأمم المتحدة أن غالبية النمو سيأتي من الاقتصادات الناشئة، التي تمثل 61% من الاقتصاد العالمي.
ولعل أهم محرك جديد للطلب هو التقدم التكنولوجي، فالذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ومراكز البيانات تتحول بسرعة إلى مكونات أساسية للاقتصادات الحديثة، وتعد احتياجات أنظمة الذكاء الاصطناعي من الطاقة وحدها هائلة، حيث تستثمر شركات التكنولوجيا الكبرى مليارات الدولارات في البنية التحتية الحاسوبية الجديدة، حيث أظهرت بيانات وكالة الطاقة الدولية أن وتيرة نمو الطلب على الكهرباء ارتفع 17% أسرع من التوقعات لعام 2025، وفي الوقت نفسه تعمل سياسات التحول في قطاعات النقل والتدفئة والعمليات الصناعية بعيداً عن الاستهلاك المباشر للوقود الأحفوري وتوجيهها نحو شبكات الكهرباء، وبدلاً من خفض الطلب على الطاقة، غالباً ما يؤدي هذا التحول إلى تغيير موقع استهلاك الطاقة مع زيادة الاحتياجات الإجمالية للنظام.
وإذا ما نظرنا إلى هذه العوامل مجتمعة، فإنها تشير إلى استنتاج واحد؛ من المرجح أن يستمر الطلب العالمي على الطاقة في الارتفاع على مدى العقود القادمة، في حين يظل العرض محدوداً.
الطلب على الطاقة استمر في النمو بمقدار 2% سنوياً خلال العقدين الماضيين
على مدار العقد الماضي شهدت أسواق الطاقة تحولاً كبيراً في تنويع مصادر الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ونمواً ملحوظاً، مدعومة بالحوافز الحكومية، وانخفاض تكاليف التكنولوجيا، والحماس العام المحيط بمبادرات المناخ، فاليوم تمثل الطاقة الشمسية 2% من الحصة الكاملة للعرض في كامل قطاع الطاقة، ومع ذلك واجهت وتيرة التوسع تحديات في الآونة الأخير ناتجة عن سياسات معارضة للتغير المناخي، مع الحاجة الماسة لتلبية متطلبات قطاع التكنولوجيا الذي استمر بالنمو 3.1% سنوياً، والذي ضاعف العوائد في الاسواق المالية رغم الصدمات الجيوسياسية.
تغيرت الأولويات السياسية في العديد من البلدان مع بروز المخاوف بشأن القدرة على تحمل تكاليف الطاقة، والقدرة التنافسية الصناعية، وأمن الطاقة، وفي حين يظل تغير المناخ أحد الاعتبارات المهمة، فإن الحكومات تعمل بشكل متزايد على الموازنة بين الأهداف البيئية والواقع الاقتصادي والحاجة إلى طاقة أساسية موثوقة.
وفي الوقت نفسه استمر الطلب على النفط والغاز الطبيعي في الارتفاع، حيث تتوقع وكالة أوبك والطاقة الدولية باستمرار نمو الطلب بمقدار 700-900 ألف برميل باليوم هذا العام، وارتفاعاً ما بين 1.0 و1.4 مليون برميل باليوم لعام 2027، وقد تم مراراً وتكراراً تعديل التوقعات التي كانت تشير في السابق إلى بلوغ استهلاك الوقود الأحفوري ذروته قريباً، ولكن قامت وكالة الطاقة الدولية، التي كانت تتوقع سابقاً استقرار الطلب على المدى القريب، بتعديل توقعاتها تدريجياً مع استمرار مرونة نمو الاستهلاك في الأسواق الناشئة.
كما شهدت الطاقة النووية انتعاشاً، بعد أن كانت تعتبر في السابق صناعة آخذة في التراجع عادت الطاقة النووية إلى صدارة المناقشات السياسية، في ظل سعي الحكومات إلى مصادر طاقة مستقرة ومنخفضة الكربون، وقد أسهم ظهور الذكاء الاصطناعي في تسريع هذا الاتجاه، حيث تدعم كبرى شركات التكنولوجيا والمستثمرون كلاً من المشاريع النووية التقليدية وتقنيات الجيل التالي مثل المفاعلات النووية الصغيرة المعيارية، في تقرير لـCarnegie Endowment أن الاتفاقيات الحالية تساوي 13 GW كقدرة إنتاجية جديدة للطاقة النووية الى عام 2030، وهو استثمار طويل الأمد من قبل عمالقة قطاع الذكاء الاصطناعي مثل Alphabet, Amazon, Oracle, Open Al.
والحقيقة هي أن الطلب آخذ في الازدياد عبر جميع مصادر الطاقة الرئيسية تقريباً، وبدلاً من أن يشهد العالم انتقالاً مباشراً من نظام طاقة إلى آخر، فإنه يمر بفترة تتطلب فيها جميع أشكال الطاقة تقريباً في آن واحد.
ومع ذلك لا يزال تنوع العرض يمثل تحدياً يواجه الطاقة المتجددة يتعلق بالكلفة، والبنية التحتية للنقل، وتوفر الأراضي، وتوافر المعادن النادرة، والموافقات في إصدار التراخيص، يمكن إنشاء محطات توليد الطاقة من الشمس والرياح بسرعة، إلا أن حلول التخزين على نطاق تجاري لا تزال باهظة التكلفة وغالباً ما تكون غير كافية لتوفير طاقة مستمرة خلال فترات انخفاض التوليد، لقد أصبحت الصين أكثر دولة متقدمة في مجال الطاقة المتجددة لتلبية احتياجاتها الهائلة للكهرباء، وبالرغم من ذلك لا يزال اعتمادها على مصادر الطاقة الأحفورية والنووية عاملاً أساسياً للتوصل إلى هدف النمو الاقتصادي بوتيرة متسارعة.
يواجه منتجو النفط والغاز مجموعة مختلفة من القيود والتحديات، فقد أدت سنوات من نقص الاستثمار، والمعارضة البينية وعدم اليقين التنظيمي، وضغوط المستثمرين إلى تقليل الرغبة في تخصيص رأس المال لمشاريع الهيدروكربونات طويلة الأجل، وعلى الرغم من استمرار نمو الطلب، أصبح توسيع العرض أكثر صعوبة في العديد من المناطق، فنزويلا مثال واضح على صعوبة الاستثمار في قطاع النفط على الرغم من تواجد احتياطيات كبيرة.
وربما تواجه الطاقة النووية أكبر العوائق على الإطلاق، فما زالت فترات البناء الطويلة، والتكاليف الأولية المرتفعة، وتعقيدات اللوائح التنظيمية، والمخاوف المتعلقة بالسلامة العامة، تعرقل إنشاءها، حتى مع تزايد الاهتمام بهذه التكنولوجيا.
سلطت الأحداث الجيوسياسية الأخيرة في أوروبا والشرق الأوسط الضوء على هشاشة سلاسل توريد الطاقة العالمية، حيث أدى الصراع بين روسيا وأوكرانيا إلى إعادة تشكيل أسواق الطاقة العالمية بشكل جذري، ما أجبر أوروبا على إعادة النظر في عقود من الاعتماد على النفط والغاز الروسي، ومؤخراً أبرزت الاضطرابات في الشرق الأوسط والمخاوف المحيطة بمضيق هرمز مدى هشاشة أمن الممرات البحرية الحيوية التي تمر عبرها حصة كبيرة من تدفقات الطاقة العالمية.
وقد عززت هذه الأحداث درساً كان العديد من صانعي السياسات قد أغفلوه لصالح مشروع العولمة وتقليل كلف الإنتاج.
أمن الطاقة هو أمن وطني، تستثمر الدول في جميع أنحاء العالم الآن في الاحتياطيات الاستراتيجية، وتنويع مسارات الاستيراد، وتطوير قدرات الإنتاج المحلية، واستكشاف تقنيات الطاقة البديلة، وتسعى الحكومات إلى تقليل الاعتماد على مورد واحد مع بناء القدرة على الصمود في مواجهة الاضطرابات المستقبلية، الضغط التضخمي الناتج عن الحروب يمثل عبئاً اقتصادياً من الممكن تجنبه أو استغلاله، وهذا أحد الدروس المستقاة من الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط.
ونتيجة لذلك، يتجه التركيز العالمي نحو تأمين سلاسل إمدادات الطاقة، وسواء كان ذلك من خلال الطاقة المتجددة، أو الطاقة النووية، أو البنية التحتية للغاز الطبيعي، أو الاحتياطيات الاستراتيجية من النفط، أو تنمية المعادن النادرة، فإن الدول تولي أولوية متزايدة للموثوقية جنباً إلى جنب مع الاستدامة.
يعكس هذا التحول إدراكاً متزايداً بأن نقص الطاقة ينطوي على عواقب اقتصادية واجتماعية عميقة، فدون الوصول الآمن إلى الطاقة، تصبح الاقتصادات الحديثة عرضة للتضخم، وتراجع في الصناعة، ونقص الإمدادات، وعدم الاستقرار السياسي.
لماذا يجب تكريس الطاقة كحق من حقوق الإنسان؟
في ظل هذه الخلفية، يجدر إعادة التفكير في كيفية نظرة المنظمات الدولية إلى الطاقة نفسها، حيث يجب اعتبارها حقاً عاماً مثلما يعتبر الغذاء والدواء والماء حقوقاً عامة للمجتمعات، لقد طرح المدير العام لمنظمة أوبك هيثم الغيص أنه على الرغم من التقدم التكنولوجي الكبير، يظل الوقود الأحفوري المصدر الأكثر كفاءة وقابلية للتوسع للطاقة في مجالات النقل، والنشاط الصناعي، وتوليد الطاقة على نطاق واسع، فهو لا يزال يشكل دعامة للنمو الاقتصادي العالمي ويوفر الأساس الذي تعتمد عليه العديد من التقنيات الناشئة، وعليه فبدلاً من النظر إلى النفط والغاز الطبيعي على أنهما مجرد وقود من الماضي، ينبغي على صانعي السياسات الاعتراف بهما بشكل متزايد باعتبارهما وقوداً انتقالياً، موارد تدعم التحول نحو مستقبل أكثر طاقة وتقدماً من الناحية التكنولوجية، إن دور الوقود الأحفوري لا غنى عنه في المستقبل المنظور.
في الوقت نفسه، تعمل الابتكارات التكنولوجية على خفض الانبعاثات الكربونية بشكل مطرد عبر تطوير تكنولوجيا خاصة في معالجة الوقود الأحفوري، وتُظهر التطورات في مجال احتجاز الكربون، ورصد الميثان، وتحسين الكفاءة، وأساليب الإنتاج الأنظف أن النمو الاقتصادي والتقدم البيئي لا يتعارض مع الدور الريادي للوقود الأحفوري كمصدر رئيسي للطاقة.
والحقيقة الأوسع نطاقاً هي أن الطلب المستقبلي على الطاقة قد ينمو بوتيرة أسرع مما يمكن لأي مصدر طاقة واحد أن يلبيه، وسيتطلب تلبية احتياجات مليارات الناس استثمارات في جميع أشكال إنتاج الطاقة، بما في ذلك مصادر الطاقة المتجددة والهيدروكربونات، والطاقة النووية، وتقنيات التخزين، وابتكارات الجيل القادم.
مع تزايد اعتماد المجتمعات على البنية التحتية الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وأنظمة تحديد الهوية الإلكترونية، والخدمات المصرفية عبر الإنترنت، وشبكات الرعاية الصحية، والتقنيات المتصلة، لم يعد الوصول إلى الطاقة مجرد ضرورة اقتصادية فحسب، بل أصبح شرطاً أساسياً للحياة العصرية.
يعتبر الغذاء والماء والدواء احتياجات إنسانية أساسية معترفاً بها على أنها جزء من حقوق الإنسان، وفي القرن الحادي والعشرين يستحق اعتبار الوصول الموثوق إلى الطاقة أحد حقوق الإنسان.
لا يمكن للعالم أن يحقق التنمية الاقتصادية أو التقدم التكنولوجي أو الازدهار البشري دون إمدادات طاقة وفيرة وآمنة، ولذلك فإن ضمان الوصول الشامل إلى الطاقة ليس مجرد هدف لسياسة الطاقة، بل هو ضرورة أخلاقية واقتصادية ومجتمعية.
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.




