

وفي الوقت نفسه، أعادت الأزمة الأخيرة المتعلقة بمضيق هرمز إلى الأذهان حقيقة أخرى غير مريحة: لا تزال أنظمة الطاقة العالمية معرضة بشكل خطير للصدمات الجيوسياسية.
قد تبدو هاتان الأزمتان، المناخية والجيوسياسية، غير مرتبطتين ببعضهما البعض، لكن الحقيقة أنهما مترابطتان بشكل عميق، فكلتاهما تدفع الحكومات والشركات والمستثمرين إلى مواجهة سؤال جوهري: إلى أين نتجه من هنا في صياغة سياسات الطاقة المستقبلية واتخاذ قرارات الاستثمار؟
تذكرنا موجة الحر بشيء لم يعد يُفترض أن نحتاج إلى التذكير به: تغير المناخ حقيقة قائمة، وهو يتسارع، وتكاليفه تُدفع بالفعل في صورة تراجع الإنتاجية، وتضرر البنية التحتية، والضغط على الأنظمة الصحية، وفقدان الأرواح، وتعد أوروبا القارة الأسرع احتراراً في العالم، إذ ترتفع درجات حرارتها بمعدل يقارب ضعف المتوسط العالمي، ولم تعد الظواهر المناخية المتطرفة مخاطر مستقبلية؛ بل أصبحت واقعاً اقتصادياً يومياً.
وفي المقابل، تذكرنا أزمة هرمز بأن أمن الطاقة لم يغادر أبداً مركز اهتمام صانعي السياسات، فنحو ربع تجارة النفط المنقولة بحراً في العالم، ونحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال، تمر عبر هذا المضيق الضيق، وفي الظروف الطبيعية يعبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل من النفط يومياً، وأي اضطراب فيه يرسل فوراً موجات صدمة إلى الأسواق العالمية.
إن الدرس الذي تقدمه لنا الأشهر الأخيرة واضح وبسيط: العالم يواجه تحدياً مزدوجاً في مجال الطاقة، فنحن مطالبون في الوقت نفسه بمواجهة انعدام الأمن المناخي وانعدام الأمن الجيوسياسي.
غير أن استجابة الدول المصدرة للطاقة والدول المستوردة لها ستكون مختلفة إلى حد ما.
وهذا يعني أننا سنشهد على الأرجح موجة جديدة من الاستثمارات في البنية التحتية الخاصة بالتصدير وتنويع مسارات نقل الطاقة، فالدول الخليجية ستواصل توسيع خطوط الأنابيب التي تتجاوز مضيق هرمز، وزيادة مرافق التخزين خارج الخليج العربي، والاستثمار في أصول الطاقة والبنية التحتية في الخارج.
ويبدو خط أنابيب أبوظبي للنفط الخام إلى الفجيرة، الذي يتجاوز مضيق هرمز بالكامل، اليوم أقل كونه خياراً اقتصادياً وأكثر كونه ضرورة استراتيجية، كما أن خط الأنابيب الشرقي-الغربي السعودي، والنقاشات حول مشاريع إقليمية إضافية، من المرجح أن تحظى باهتمام سياسي ومالي متزايد.
ومن المتوقع أيضاً أن تزيد الدول المصدرة من استثماراتها في مرافق التخزين في آسيا وأوروبا، وأن تسعى إلى الاستحواذ على أصول التكرير والبتروكيماويات في الخارج لضمان استمرار وصولها إلى الأسواق خلال الأزمات المستقبلية.
وقد نشهد كذلك زيادة في استثمارات شركات النفط الوطنية في مشاريع المنبع خارج منطقة الخليج نفسها، فإنتاج النفط والغاز في مناطق جغرافية مختلفة يوفر نوعاً من التحوط ضد المخاطر الجيوسياسية الإقليمية.
بمعنى آخر، سيظل أمن الطاقة بالنسبة للدول المصدرة يعني تأمين الإمدادات، وتأمين البنية التحتية، وتأمين طرق الوصول إلى الأسواق.
أما بالنسبة للدول المستوردة والمستهلكة، فإن مفهوم أمن الطاقة يشهد تحولاً تدريجياً.
فالدول الأوروبية لا تزال تتذكر الدروس القاسية للحرب الروسية الأوكرانية، فقد أدى فقدان إمدادات الغاز الروسي إلى أزمة طاقة غير مسبوقة، وارتفعت أسعار الكهرباء والتدفئة إلى مستويات قياسية، وقفز التضخم إلى مستويات لم تشهدها القارة منذ عقود، واضطرت الحكومات إلى إنفاق مئات المليارات من اليوروهات لحماية الأسر والشركات من تداعيات الأزمة.
والأمر ذاته ينطبق على العديد من الاقتصادات الآسيوية، فالدول التي تعتمد على الغاز الطبيعي المسال المستورد لتوليد الكهرباء عانت مراراً من تقلبات أسعار الوقود، وبالنسبة لكثير من الاقتصادات النامية تتحول أسعار الطاقة المرتفعة سريعاً إلى أزمات مالية وضغوط على العملات الوطنية وتوترات سياسية واجتماعية.
وقد عززت التوترات الأخيرة حول مضيق هرمز قناعة أساسية لدى الدول المستوردة: أفضل وسيلة للحماية من الصدمات الجيوسياسية في أسواق الطاقة هي تقليص الاعتماد على الوقود المتداول عالمياً.
وهذا لا يعني نهاية عصر النفط والغاز، فما زال الطلب العالمي على النفط يتجاوز 100 مليون برميل يومياً، وما زالت الهيدروكربونات متغلغلة بعمق في قطاع النقل والصناعة والبتروكيماويات، كما أن الزيادة في الإنتاج من الولايات المتحدة والبرازيل وغيانا وغيرها من الدول المنتجة أسهمت في تنويع الإمدادات العالمية.
لكن الإشارة الاستثمارية على المدى الطويل تبدو واضحة بشكل متزايد.
فالدول المستوردة ستسارع على الأرجح إلى زيادة استثماراتها في الكهرباء المتجددة، وشبكات الكهرباء، وكفاءة الطاقة، والكهربة، وتقنيات التخزين، والسبب لا يتعلق فقط بالسياسات المناخية، بل أيضاً بأمن الطاقة.
إن كل وحدة إضافية من الكهرباء المتجددة، وكل تحسن في كفاءة استخدام الطاقة، يقللان من التعرض للمخاطر الجيوسياسية إلى حد ما، قد تخلق اعتماداً آخر وهو الاعتماد على الصين المسيطرة على تكنولوجيات الطاقة الجديدة، ولكن لنترك هذا الموضوع إلى وقت آخر.
سوف يزداد منطق هذا التوجه قوة يوماً بعد يوم، فالتحول نحو كهربة النقل والتدفئة والصناعة لم يعد مجرد استراتيجية لإزالة الكربون؛ بل أصبح أيضاً استراتيجية للأمن القومي، وتوسيع شبكات الكهرباء لم يعد مجرد سياسة للبنية التحتية؛ بل أصبح بمثابة بوليصة تأمين ضد الصدمات الخارجية، أما إجراءات كفاءة الطاقة فلم تعد تتعلق فقط بخفض الانبعاثات؛ بل ستصبح وسيلة لتقليل الهشاشة الاقتصادية والسياسية.
وعليه، قد يشهد العقد المقبل قصتين استثماريتين متوازيتين.
فمن جهة، ستنفق الدول المصدرة مليارات الدولارات لتعزيز البنية التحتية للهيدروكربونات، وبناء طرق تصدير بديلة، وضمان استمرار تدفق النفط والغاز إلى الأسواق العالمية.
ومن جهة أخرى، ستنفق الدول المستوردة تريليونات الدولارات لتقليل اعتمادها على هذه الهيدروكربونات نفسها.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في التحول الطاقي الحالي.
فالعالم لا يزال يعتمد بشكل كبير على النفط والغاز، وسيستمر في ذلك لسنوات قادمة، لكن كل أزمة جيوسياسية جديدة تزيد من الحوافز لدى الدول المستهلكة لتسريع الانتقال بعيداً عن الوقود الأحفوري المستورد.
وقد تكون تداعيات ذلك على أسواق الطاقة العالمية عميقة للغاية، فعلى مدى عقود تركزت مناقشات أمن الطاقة بصورة شبه كاملة على جانب العرض: من ينتج؟ ومن يمتلك الاحتياطيات؟ ومن يسيطر على طرق النقل؟
أما في المستقبل، فقد يصبح السؤال مختلفاً، سيصبح التركيز المتزايد على جانب الطلب، أي الدول تستطيع تقليص تعرضها لتقلبات أسواق الوقود الأحفوري؟ وأي الاقتصادات قادرة على تسريع الكهربة؟ وأي الصناعات يمكنها أن تصبح أكثر كفاءة في استخدام الطاقة؟ وأي التقنيات تستطيع أن تقلل الاعتماد على الوقود المستورد؟
الدول التي ستنجح في الإجابة عن هذه الأسئلة لن تتمتع فقط بانبعاثات أقل، بل أيضاً بقدرة أكبر على الصمود واستقلالية استراتيجية أكبر.
إن موجة الحر التي تضرب أوروبا، وعدم اليقين الذي يحيط بمضيق هرمز، ينبغي النظر إليهما باعتبارهما وجهين لعملة واحدة، إحداهما تذكرنا بأن أزمة المناخ تتسارع، والأخرى تذكرنا بأن المخاطر الجيوسياسية لن تختفي.
وهما معاً تشيران إلى تعريف جديد لأمن الطاقة، تعريف يقوم ليس فقط على تأمين الإمدادات، بل على تقليل الاعتماد على سلاسل إمداد معرضة للاضطرابات من الأساس، سيظل مستقبل أمن الطاقة يتضمن النفط والغاز، لكن هذا المستقبل سيُبنى بصورة متزايدة على الإلكترونات بدلاً من الجزيئات، وعلى الشبكات بدلاً من خطوط الأنابيب، وعلى إدارة الطلب بدلاً من التوسع في العرض.
وفي النهاية، يجب أن تكون كل الأنظار موجهة الى التغييرات في الطلب أكثر من المعروض، الفصل الجديد بعد أزمة الطاقة الحالية هو عن الطلب وليس المعروض، من المتوقع أن يكون هناك ما يكفي من المعروض ولكن هل سيكون الطلب؟ ابدأ بالنظر إلى الصين.
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.




