شؤون عربية ودولية

كيف يعيد وورش كتابة قواعد السياسة النقدية؟ وهل بدأ عهد جديد للفيدرالي؟ : CNN الاقتصادية



في كل مرة يتغير فيها رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، تتجه الأنظار مباشرة نحو سؤال واحد: متى سترتفع أو تنخفض أسعار الفائدة؟ لكن مع وصول كيفن وورش إلى رئاسة الفيدرالي يبدو أن السؤال الأهم لم يعد عن الفائدة نفسها، بل عن الطريقة التي تُصنع بها السياسة النقدية.

فبدلاً من اتخاذ قرارات صادمة أو إجراء تخفيضات سريعة للفائدة، اختار وورش أن يبدأ من الداخل، عبر إطلاق أكبر مراجعة شاملة لآليات عمل الاحتياطي الفيدرالي منذ سنوات.. خطوة توحي بأن الرجل لا يريد فقط إدارة السياسة النقدية، بل إعادة تصميمها بما يتناسب مع اقتصاد مختلف تماماً عن ذلك الذي عرفه العالم قبل عقد من الزمن.

اليوم، يقف الاقتصاد الأميركي أمام تحديات لم تكن موجودة سابقاً، فالذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الإنتاجية وسوق العمل، والبيانات الاقتصادية أصبحت تتدفق لحظة بلحظة، فيما تتسارع التغيرات الجيوسياسية والتجارية بشكل يصعب على النماذج التقليدية مواكبته، ومن هنا، يبدو أن وورش يرى أن أدوات الأمس قد لا تكون كافية لمعالجة تحديات الغد.

ورغم توقعات الأسواق بأن يكون أكثر ميلاً إلى تخفيف السياسة النقدية، جاءت رسائله واضحة: مكافحة التضخم ستبقى الأولوية المطلقة، ولن يكون هناك أي تساهل مع تجاوز معدل التضخم المستهدف البالغ 2%.. هذه الرسالة تعكس قناعة بأن استقرار الأسعار هو الأساس الذي يُبنى عليه النمو الاقتصادي المستدام، حتى وإن تطلب ذلك إبقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول.

لكن ما يلفت الانتباه أكثر هو طبيعة الإصلاحات التي بدأها، فقد أعلن عن تشكيل خمس لجان مستقلة لمراجعة مختلف جوانب عمل الفيدرالي، من آلية استهداف التضخم، إلى أسلوب التواصل مع الأسواق، وإدارة الميزانية العمومية للبنك المركزي، وصولاً إلى استخدام الذكاء الاصطناعي والبيانات الحديثة في صنع القرار.

هذا التوجه يمثل تحولاً مهماً في فلسفة البنك المركزي؛ فخلال السنوات الماضية، اعتادت الأسواق على قدر كبير من «التوجيه المستقبلي»، حيث كان الفيدرالي يقدم إشارات واضحة حول مسار الفائدة قبل أشهر من اتخاذ القرار.

أما وورش فيبدو أنه يفضل استعادة عنصر المرونة، بحيث تعود البيانات الاقتصادية الفعلية لتكون المحرك الأساسي للقرارات، لا توقعات المستثمرين.

كذلك، يفتح وورش الباب أمام إعادة تقييم حجم تدخل الفيدرالي في الأسواق المالية، من خلال مراجعة سياسته المتعلقة بالميزانية العمومية الضخمة التي تراكمت بعد سنوات من برامج التيسير الكمي. فالهدف لم يعد فقط إدارة أسعار الفائدة، بل أيضاً إعادة النظر في الدور الذي يجب أن يلعبه البنك المركزي داخل النظام المالي.

ومن بين أكثر الملفات إثارة للاهتمام، يأتي إدخال الذكاء الاصطناعي إلى قلب عملية صنع السياسة النقدية.. فالفيدرالي لم يعد يكتفي بمتابعة مؤشرات التضخم والبطالة التقليدية، بل يسعى لفهم تأثير التقنيات الحديثة على الإنتاجية، وسوق العمل، والنمو الاقتصادي، وحتى الضغوط التضخمية المستقبلية.

هذه التحركات تعكس تحولاً قد يمتد أثره إلى ما هو أبعد من الولايات المتحدة. فقرارات الاحتياطي الفيدرالي لا تؤثر فقط على الاقتصاد الأميركي، بل تمتد إلى أسواق الأسهم، والسندات، والعملات، وأسعار الذهب والنفط، وحتى تدفقات رؤوس الأموال في الأسواق الناشئة.

وبالتالي، فإن أي تغيير في طريقة تفكير الفيدرالي ينعكس تلقائياً على المستثمرين حول العالم.

في النهاية، قد لا يكون أهم ما قام به كيفن وورش حتى الآن هو تثبيت أسعار الفائدة، بل إعادة فتح النقاش حول كيفية إدارة السياسة النقدية في عصر جديد.

وإذا نجحت هذه المراجعة، فقد لا نتحدث مستقبلاً عن مجرد تغيير في أسعار الفائدة، بل عن ولادة نموذج جديد للسياسة النقدية، يعتمد على التكنولوجيا، والبيانات اللحظية، ومرونة أكبر في مواجهة اقتصاد عالمي سريع التحول.

وربما يكون هذا هو التغيير الحقيقي الذي ستتذكره الأسواق: ليس قراراً واحداً للفائدة، بل بداية حقبة جديدة في طريقة تفكير أكبر بنك مركزي في العالم.

تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثل آراء الكاتب فقط، ولا تعكس أو تمثل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى