شؤون عربية ودولية

احترام الوقت.. ثقافة أم مسؤولية؟ : CNN الاقتصادية



هل سبق أن حضرت اجتماعاً بدأ بعد موعده بعشرين دقيقة، ثم انتهى من دون قرارات واضحة؟

هذا المشهد يتكرر في كثير من المؤسسات، حتى أصبح التأخير عند البعض أمراً اعتيادياً لا يستحق التوقف عنده.

لكن السؤال هو: هل المشكلة في الساعة.. أم في الثقافة؟

لعلي أجيب: إن احترام الوقت ليس عادة شخصية، ولا مهارة إدارية، بل هو مسؤولية أخلاقية، ورسالة حضارية تعكس مدى احترام الإنسان لنفسه، واحترامه للآخرين.

فالوقت هو المورد الوحيد الذي يتساوى فيه الجميع؛ الغني والفقير، المدير والموظف، القائد والتابع، الجميع يمتلك أربعاَ وعشرين ساعة في اليوم، لكن الفارق الحقيقي يكمن في طريقة التعامل معها.

لقد أثبتت التجارب أن المؤسسات التي تحترم الوقت لا تحقق فقط إنجازاً أكبر، بل تبني ثقة أعلى، وتخلق بيئة عمل أكثر احترافية، لأن الانضباط في المواعيد ليس مجرد تنظيم، بل ثقافة تؤثر في جودة القرار، وسرعة الإنجاز، وتدعم روح الفريق.

ومن أكثر الأماكن التي تظهر فيها ثقافة الوقت هي الاجتماعات.

فالاجتماع الذي يبدأ في موعده المحدد، حتى لو غاب بعض المدعوين، يرسل رسالة واضحة للجميع: إن احترام الوقت قيمة لا يمكن التنازل عنها.

أما الاجتماع الذي تُؤجل بدايته انتظاراً للمتأخرين، فإنه يوجه رسالة معاكسة تماماً، مفادها أن الالتزام ليس مهماً، وأن من احترم الموعد لا يختلف عمّن تجاهله.

ولذلك، فإن كل دقيقة تأخير لا تضيع من عمر شخص واحد، بل من أعمار جميع الحاضرين، فإذا حضر عشرة أشخاص وانتظروا عشر دقائق، فقد خسرت المؤسسة مئة دقيقة من الإنتاج، وهي خسارة لا تظهر في التقارير المالية، لكنها تتراكم حتى تصبح جزءاً من ثقافة العمل.

ومن التجارب العالمية الملهمة ما تشتهر به اليابان، حيث يُنظر إلى الالتزام بالمواعيد باعتباره جزءاً من احترام الإنسان للمجتمع، وقد اعتادت شركات النقل هناك الاعتذار رسمياً إذا تأخر أحد القطارات دقيقة أو دقيقتين، لأنهم يدركون أن هذه الدقائق قد تؤثر في مواعيد آلاف الأشخاص، وسلسلة طويلة من الأعمال والالتزامات.

وفي سويسرا، لم تصبح صناعة الساعات رمزاً عالمياً للدقة من فراغ، بل لأنها نشأت في مجتمع جعل احترام الوقت أسلوب حياة، قبل أن يكون صناعة أو تجارة.

أما في كثير من الشركات العالمية الرائدة، فهناك قاعدة بسيطة لكنها مؤثرة: الاجتماع يبدأ في موعده المحدد وينتهي في موعده المحدد، ومن يتأخر يتحمل مسؤولية تأخره، لا مسؤولية الآخرين، فالالتزام لا يُفرض بالعقوبات، بل يُبنى بالقدوة.

وعندما ننظر إلى المؤسسات الأكثر نجاحاً، نجد أن احترام الوقت يبدأ من القمة، فالقائد الذي يصل قبل الجميع، ويبدأ اجتماعه في الدقيقة المحددة، وينهيه وفق جدول أعمال واضح، لا يحتاج إلى عشرات التعاميم ليتحدث عن الانضباط؛ لأن سلوكه اليومي أصبح هو الرسالة.

وعلى الجانب الآخر، فإن القائد الذي يتأخر باستمرار، أو يسمح بتأجيل الاجتماعات، أو يطيلها بلا هدف، يزرع في بيئة العمل ثقافة التهاون، مهما كانت شعارات المؤسسة عن الجودة والتميّز.

إن احترام الوقت لا يعني السرعة، ولا يعني الاستعجال، وإنما يعني إعطاء كل مهمة حقها في الوقت المناسب، دون هدر أو فوضى، فالإنجاز لا يقاس بعدد الساعات التي نقضيها في العمل، بل بما ننجزه خلال تلك الساعات.

ومن الجميل أن نسأل أنفسنا في نهاية كل اجتماع: هل خرجنا بقرارات تستحق الوقت الذي استغرقناه؟ فإن كانت الإجابة نعم، فقد كان الوقت استثماراً، وإن كانت لا، فقد كان الوقت تكلفة دفعها الجميع.

لم يعد احترام الوقت رفاهية إدارية، بل أصبح معياراً حقيقياً لاحترافية المؤسسات، ومؤشراً على جودة القيادة، وأحد أسرار النجاح المستدام.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن نتأمله جميعاً:

إذا كنا نطالب الآخرين باحترام أوقاتنا، فهل نحن نحترم أوقاتهم بالقدر نفسه؟

لعل الإجابة عن هذا السؤال هي البداية الحقيقية لبناء ثقافة عمل أكثر وعياً، وأكثر إنجازاً، وأكثر احتراماً للإنسان؛ لأن الوقت ليس عقارب تتحرك، بل هو حياة تمضي، ولن تعود.

تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثل آراء الكاتب فقط، ولا تعكس أو تمثل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى