

بعد عشر سنوات على إطلاق أهداف التنمية المستدامة، صار التقرير السنوي عنها أقرب إلى مراجعة أداء منه إلى متابعة تنفيذ، فمن أصل 139 غاية أمكن تقييم اتجاهها، لا تسير في موعدها سوى 15 في المئة، بينما تراجعت 15 في المئة عن مستواها عام 2015، والبقية إما تتقدم ببطء أو تراوح مكانها، ومع أرقام كهذه يتقدّم سؤال آخر على سؤال الموعد: ما الذي ستحتفظ به الدول بعد 2030 من مؤسسات ونظم بيانات وخبرة متراكمة؟
والمنطقة العربية معنيّة بهذا السؤال بصورة خاصة؛ فقد سجّلت تقدماً موثقاً في المياه والطاقة والاتصال الرقمي، غير أن هذا التقدم يقوم على قاعدة أهشّ مما توحي به الأرقام: تفاوت حاد بين دولها، وبيانات تتأخر عن الأحداث، وتمويل تنموي يتقلص حين تشتد الحاجة إليه، وهي عوامل قد لا تعكسها الدرجة المركبة كاملة، لكنها تحدد إلى حد بعيد مدى قابلية المكتسبات للاستمرار.
ما تكشفه الأرقام
خلال الفترة من 7 إلى 15 يوليو الجاري، انعقد في نيويورك المنتدى السياسي الرفيع المستوى للتنمية المستدامة لمراجعة التقدم في تنفيذ أجندة 2030، وجاء تقرير أهداف التنمية المستدامة 2026 صريحاً في توزيعه: 15 في المئة من الغايات على المسار الصحيح، و21 في المئة تحقق تقدماً متوسطاً، و32 في المئة تقدماً هامشياً، و17 في المئة لا تحرز أي تقدم، و15 في المئة تراجعت عن مستوياتها في 2015، بما يعني عملياً أن ما يحقق تقدماً متوسطاً أو أفضل لا يتجاوز 36 في المئة.
والفارق بين الركود والتراجع ليس فارقاً في الدرجة، بل في طبيعة المشكلة؛ فالركود يعني غياب تقدم ملموس، أما التراجع فيعني هبوط المؤشر دون خط أساس 2015، ولذلك قد يحتاج الأول إلى تسريع الوتيرة، بينما يتطلب الثاني استعادة ما فُقد قبل البناء عليه.
ومع ذلك لا تخلو الصورة من شواهد معاكسة يوردها التقرير نفسه، إذ ارتفعت نسبة مستخدمي الإنترنت من 40 في المئة عام 2015 إلى 74 في المئة عام 2025، وبلغت نسبة سكان العالم الذين يحصلون على الكهرباء 92 في المئة عام 2024، وبين عامي 2015 و2024 حصل 961 مليون شخص إضافي على خدمات مياه شرب مُدارة بأمان، و1.2 مليار شخص على خدمات صرف صحي مُدارة بأمان.
وهي مكاسب لم تتحقق بالإعلانات، بل بسياسات استمرت واستثمار لم ينقطع، وهو ما يعني أن جانباً مهماً من التعثر قابل للتصحيح، وليس قدراً محتوماً.
أين تقف المنطقة العربية؟
إقليمياً، يستند المشهد إلى مؤشر المنطقة العربية لأهداف التنمية المستدامة ولوحات المتابعة 2026، الصادر في فبراير الماضي عن كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية وشبكة حلول التنمية المستدامة، وهو أداة بحثية مكمّلة، لا مقياسٌ أمميٌّ رسميٌّ؛ يغطي 118 مؤشراً، وبلغت الدرجة الإقليمية الإجمالية فيه 60.6 من 100، وهي درجة مركبة تعبّر عن نسبة التقدم نحو الأهداف السبعة عشر مجتمعة، لا عن عدد الأهداف التي بلغتها المنطقة.
ويرصد المؤشر تقدماً في بعض النتائج الصحية، وفي المياه والصرف الصحي والطاقة والاتصال الرقمي، غير أن هذا المتوسط يخفي تبايناً واسعاً، إذ يقترب متوسط شمال إفريقيا من 68 نقطة، مقابل 64 نقطة لدول مجلس التعاون، و62 للمشرق والعراق، ونحو 52 للدول العربية الأقل نمواً، ويُرجّح أن الدرجات الحالية لا تعكس بالكامل حجم الآثار الإنسانية الحديثة في غزة ولبنان، بسبب تأخر البيانات عن الأحداث.
وضمن هذا التباين، تقدّم السعودية والإمارات وقطر نماذج لتقدم مركّز في الصحة والتعليم والاتصال الرقمي والخدمات الأساسية، فقد تجاوزت الدول الثلاث المتوسط الإقليمي، مسجلةً 68.3 للإمارات، و63.6 للسعودية، و61.2 لقطر، في مؤشر تتوزّع صدارته على المغرب وتونس والجزائر، وتكشف أحدث بيانات المؤشر عن عمر متوقع يتراوح بين 78.7 و82.9 سنة، ونسبة استخدام للإنترنت بين 99.7 و100 في المئة، ونسبة إلمام بالقراءة والكتابة بين الشباب بين 99 و100 في المئة، مع تسجيل وصول كامل إلى الكهرباء والوقود وتقنيات الطهي النظيفة، ويواكب ذلك تراكم مؤسسي في المتابعة؛ إذ قدّمت كل من السعودية والإمارات مراجعتها الوطنية الطوعية الثالثة في 2026، وقطر مراجعتها الرابعة في 2025، وهو ما ينقل تجاربها من إنجازات تُعلَن إلى خبرة متراكمة وموثّقة يمكن تتبّع أثرها ونقلها.
أما الجوع فيظل التقدم نحو معالجته ضعيفاً على مستوى المنطقة، ويأخذ صورة عبء مزدوج لسوء التغذية: الهزال والتقزم بين أطفال الدول الأقل نمواً، وسمنة متزايدة في عموم دول المنطقة، وهي مفارقة تقول إن توفر الموارد المالية لا يُترجم تلقائياً إلى نظم غذائية آمنة.
ثم إن أوسع الفجوات الإحصائية تقع تحديداً في هدفي القضاء على الفقر والحد من أوجه التفاوت، وهي فجوة في القياس تجعل حجم التعثر في الإنجاز أقل وضوحاً؛ فالفقر الذي لا تُفصَّل بياناته يبقى رقماً وطنياً واحداً يحجب الفئات الأشد تضرراً، وتظل السياسة الموجهة إليه تصميماً على غير خريطة.
جوهر المسألة.. التمويل
لم يكن اختيار «تمويل التنمية المستدامة في المنطقة العربية» محوراً لمؤشر هذا العام محض مصادفة، فهو يختصر جانباً أساسياً من التشخيص: المشكلة ليست ندرة المال عالمياً بقدر ما هي اختلال وصوله إلى الاقتصادات النامية، إذ يورد المؤشر أن المدخرات العالمية السنوية تقارب 30 تريليون دولار، بينما تُقدَّر فجوة تمويل أهداف التنمية المستدامة في البلدان النامية بنحو 4 تريليونات دولار سنوياً.
والمفارقة أن التمويل تراجع في ذروة الحاجة إليه؛ فبحسب البيانات الأولية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية انخفضت المساعدات الإنمائية الرسمية 23.1 في المئة في 2025، في أكبر تراجع سنوي مسجّل، فعادت إلى مستويات 2015 تقريباً، وفي الوقت نفسه بلغ الدين الخارجي للبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل مستوى قياسياً قدره 8.9 تريليون دولار في 2024 وفق البنك الدولي، وحين تتضخم أقساط الدين وتتوالى صدمات الغذاء والطاقة، تزاحم النفقات العاجلة الاستثمار طويل الأجل، فتتحول أهداف التعليم والصحة والبنية المائية من التزامات ممولة إلى غايات مؤجلة.
على أن التمويل، مع مركزيته، لا يُحسن توجيه نفسه، فالمال الذي لا يستند إلى بيانات دقيقة يميل إلى الأولويات الأكثر ظهوراً لا الأشد إلحاحاً، وزيادة الإنفاق لا تضمن تحسن النتائج ما لم تقترن بقدرة مؤسسية على التنفيذ والقياس والمساءلة.
من التقييم إلى القرار
قدّمت دورة هذا العام مراجعة معمقة لخمسة أهداف هي المياه والطاقة والصناعة والابتكار والبنية التحتية والمدن المستدامة والشراكات، وثلاثة منها تتقاطع مع مواطن تحسّن المنطقة، غير أن هذا التقاطع لا يُقرأ تفوقاً، فعلى مستوى الأهداف كافة ما زال نحو 85 في المئة من درجات الدول العربية يشير إلى تحديات كبرى أو جسيمة، وقرابة نصف الاتجاهات في حالة ركود.
ولا تحتاج المنطقة إلى حسم الجدل حول ما سيتحقق في 2030 لتبدأ التصرف، فالأولوية التي تفرضها الأرقام واضحة بذاتها: وقف التراجع أولاً، ثم دفع المجالات التي تُظهر بياناتها قابلية للتقدم، وكلاهما يتجاوز طاقة المبادرات الوطنية المتفرقة ويستدعي مساراً إقليمياً مزدوجاً.
أوله أن تُحوَّل الخبرات المتراكمة في المياه والطاقة والبنية التحتية الرقمية والتطوير الحضري إلى نماذج عملية تستطيع دول المنطقة تبنّيها وتكييفها مع احتياجاتها، تتضمن متطلبات التنفيذ وكلفته ومؤشرات قياس أثره، بدلاً من عرضها بوصفها قصص نجاح وطنية، فالمنطقة في عدد من المجالات لا تفتقر إلى الحلول بقدر ما تفتقر إلى آلية تنقل الحل من نطاقه المحلي إلى أثر أوسع، وعندها تتحول الدول المتقدمة في مسار بعينه إلى منصات للمعرفة وبناء القدرات، فتختصر على غيرها كلفة التجربة ووقت التنفيذ.
وثانيه بناء منظومة عربية للبيانات التنموية لا تكتفي بتجميع ما تصدره الدول، بل توحّد التعريفات والمنهجيات ودورات التحديث، وتربط الإنفاق العام بنتائجه، وتتيح تفصيل المخرجات بحسب الموقع والدخل والعمر والجنس، لأن المتوسط الوطني قد يتحسن بينما تتسع الفجوة داخل الدولة نفسها، وقيمة منظومة كهذه ليست في تقارير إضافية، بل في اكتشاف التراجع مبكراً وتوجيه الموارد إلى أكثر التدخلات فاعلية، حتى يصبح السؤال قبل تمويل أي مبادرة: ما الفجوة التي تعالجها؟ وما الأثر المتوقع منها؟ وكيف يمكن التحقق منه لاحقاً؟
وخلاصة القول، إن قدرة المنطقة العربية على استدامة التقدم لن تُقاس فقط بعدد الأهداف التي تبلغها بحلول 2030، بل بما يتبقى في يدها في اليوم التالي: خبرة موثقة قابلة للتكييف والتعميم، وبيانات تكشف موقعها أولاً بأول، ومؤسسات تصحّح مسارها دون انتظار تقييم دوري يصل متأخراً عن المشكلة.
ولن يكون الفارق بين دولة وأخرى في 2030 هو الدرجة التي تُقيَّد لها، بل قدرتها على الإجابة عن سؤال واحد بعدها: بمَ تعرف أن ما تنفقه تنموياً يُحدث أثراً؟ فمن يملك الإجابة يدير تنميته بأدوات في يده، ومن ينتظرها من تقرير قادم من الخارج يدير ما لا يراه.
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثل آراء الكاتب فقط، ولا تعكس أو تمثل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.




