

صعّدت أبل مواجهتها القانونية مع الحكومة البريطانية، بعدما تقدمت بشكوى جديدة للطعن في طلب يلزمها بإتاحة الوصول إلى النسخ الاحتياطية المشفرة لمستخدميها في المملكة المتحدة، في أحدث جولة من نزاع يضع متطلبات الأمن القومي في مواجهة حماية الخصوصية الرقمية.
وتستهدف الدعوى «إشعار قدرات تقنية» جديداً أصدرته وزارة الداخلية، بعد سحب طلب سابق أثار خلافاً دبلوماسياً حاداً مع واشنطن.
ولا تزال التفاصيل الكاملة للإشعار سرية؛ إذ يحظر القانون البريطاني عادةً على الشركات والوزارة الكشف عن تلقي مثل هذه الأوامر أو مناقشة مضمونها، ولم تعلق أبل أو وزارة الداخلية على القضية الجديدة.
طلب أضيق بعد صدام مع واشنطن
كانت السلطات البريطانية قد أصدرت مطلع 2025 إشعاراً واسع النطاق يطالب أبل بإنشاء وسيلة تقنية تتيح الوصول إلى بيانات مشفرة مخزنة عبر «آيكلاود»، بما في ذلك بيانات مستخدمين خارج المملكة المتحدة، وفق ما نقلته رويترز آنذاك.
وأثار نطاق الأمر اعتراضات في الولايات المتحدة، حيث حذرت مديرة الاستخبارات الوطنية الأميركية تولسي غابارد من أن الطلب قد ينتهك خصوصية الأميركيين وسيادتهم الرقمية.
وتراجعت لندن لاحقاً عن الطلب الذي شمل المستخدمين الأميركيين، منهيةً جانباً من الخلاف بين البلدين.
وفي أكتوبر تشرين الأول 2025 أفادت «فايننشال تايمز» بأن الحكومة البريطانية أصدرت إشعاراً جديداً يقتصر على بيانات المستخدمين داخل المملكة المتحدة، وهذا الإشعار هو محور الدعوى التي رفعتها أبل الشهر الماضي.
وبذلك، لم تتخلَّ لندن عن هدفها الأساسي المتمثل في ضمان قدرة أجهزة الأمن على الوصول القانوني إلى بعض البيانات، لكنها قلّصت النطاق الجغرافي للطلب لتجنب الاحتكاك المباشر مع واشنطن.
ما هو «إشعار القدرات التقنية»؟
تُصدر هذه الإشعارات بموجب قانون صلاحيات التحقيق لعام 2016، المعروف لدى منتقديه باسم «ميثاق المتلصصين»، ويمكنها إلزام شركات الاتصالات والتكنولوجيا بالحفاظ على قدرات تمكّنها من تنفيذ أوامر قانونية للحصول على البيانات.
لكن الإشعار لا يسمح، بمفرده، بجمع بيانات العملاء؛ بل يفرض على الشركة امتلاك الوسائل التقنية اللازمة لتنفيذ أوامر اعتراض أو تفتيش منفصلة.
وتنص اللوائح على إمكان مطالبة المشغل بإزالة الحماية الإلكترونية التي طبقها على البيانات «حيثما كان ذلك ممكناً بصورة معقولة»، وفق المذكرة التفسيرية الحكومية.
وتؤكد وزارة الداخلية أن هذه الصلاحيات ضرورية للتحقيق في الإرهاب والاعتداء الجنسي على الأطفال والجرائم الخطرة، وأن إصدار الإشعار يتطلب موافقة وزير مختص ومفوض قضائي، مع مراعاة الضرورة والتناسب.
خدمة تشفير معلقة في بريطانيا
ردت أبل على الطلب الأصلي في فبراير شباط 2025 بسحب ميزة «الحماية المتقدمة للبيانات» من السوق البريطانية.
وتوفر الميزة تشفيراً شاملاً من طرف إلى طرف، ما يعني أن مفاتيح فك التشفير تبقى لدى المستخدم، ولا تستطيع أبل نفسها الاطلاع على المحتوى المحمي.
وقالت الشركة إنها «لم تنشئ قط باباً خلفياً أو مفتاحاً رئيسياً» لأي من منتجاتها، محذرةً من أن أي ثغرة تُصمم للحكومات قد يستغلها قراصنة أو دول معادية.
وذكرت «وول ستريت جورنال» أن المستخدمين البريطانيين الجدد فقدوا خيار تفعيل الحماية المتقدمة، بينما طُلب من المستخدمين الحاليين تعطيلها لمواصلة استخدام حساباتهم.
وتشمل البيانات التي لم تعد تتمتع بالحماية المتقدمة في بريطانيا النسخ الاحتياطية لـ«آيكلاود» والصور والملفات والملاحظات والتذكيرات والمذكرات الصوتية، في المقابل، تظل 15 فئة أخرى مشفرة افتراضياً من طرف إلى طرف، بينها بيانات الصحة وسلسلة مفاتيح «آيكلاود»، كما يظل تشفير «آي مسج» و«فيس تايم» قائماً، وفق أبل.
اختبار جديد لقواعد الخصوصية
أمرت المحكمة بإخطار منظمتي «برايفسي إنترناشونال» و«ليبرتي» بالدعوى الجديدة، بعدما رفعتا طعناً منفصلاً في نظام الإشعارات.
وكانت قضيتهما مقررة للنظر في ديسمبر/كانون الأول، ما قد يدفع المحكمة إلى تنسيق المسارين القانونيين أو بحث مدى تداخلهما.
وتقول «برايفسي إنترناشونال» إن قصر الطلب الجديد على البريطانيين لا يزيل الخطر التقني؛ لأن إضعاف التشفير داخل نظام عالمي قد يخلق ثغرة يمكن استغلالها خارج المملكة المتحدة أيضاً.
وسبق لصحيفة «ذا غارديان» أن نقلت عن المنظمة تحذيرها من إمكان استفادة المجرمين والدول المعادية من أي ضعف يُضاف إلى أنظمة أبل.
وتتجاوز القضية بيانات مستخدمي آيفون البريطانيين، إذ قد تحدد حدود قدرة الحكومات على إلزام شركات التكنولوجيا بإعادة تصميم خدمات مشفرة عالمية. وبالنسبة لأبل، فإن النزاع يمس وعداً تسويقياً مركزياً يقوم على أن حماية المستخدم لا ينبغي أن تعتمد على هوية الجهة التي تطلب الوصول إلى بياناته، أما لندن، فترى أن انتشار التشفير الشامل لا يجوز أن يحول الخدمات السحابية إلى مساحات يتعذر على أجهزة إنفاذ القانون الوصول إليها حتى بأمر قضائي.




