

المؤشر الذي تحول إلى رهان واحد
يكمن الخطر الأول في أن طفرة الذكاء الاصطناعي لم تعد قصة تخص مجموعة شركات منفصلة؛ بل أصبحت جزءاً ضخماً من المؤشرات التي يفترض أنها متنوعة، فقد استحوذت أكبر 10 شركات أميركية على نحو 33% من القيمة السوقية في مايو أيار، بينما أظهرت حسابات أحدث نقلتها رويترز أن المستثمر الذي يشتري مؤشر S&P 500 يحصل فعلياً على تعرض يصل إلى 50% للشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، من عمالقة الحوسبة السحابية إلى الرقائق والبنية التحتية؛ لذلك، فإن خيبة أمل في أرباح بضعة أسماء كبرى يمكن أن تتحول سريعاً من تصحيح قطاعي إلى هبوط واسع في المحافظ وصناديق المؤشرات، وفق رويترز.
880 مليار يورو تربط الأسر والتقاعد بوول ستريت
ولا يتوقف انتقال الصدمة عند حدود المستثمر الأميركي، يقدر البنك المركزي الأوروبي تعرض أسر منطقة اليورو لأسهم التكنولوجيا الأميركية الكبرى بنحو 440 مليار يورو، معظمها عبر صناديق الاستثمار وصناديق المؤشرات، بينما يقترب تعرض شركات التأمين وصناديق التقاعد من المستوى نفسه.
وبحسب خبراء استطلعت رويترز آراءهم، فالمشكلة أن هذه الملكية غير المباشرة قد تصنع حلقة تضخيم، حيث نشهد تراجعاً في الأسعار يدفع المستثمرين إلى استرداد أموالهم، فتضطر الصناديق لبيع الأصول الأكثر سيولة، ما يضغط على الأسعار ويولد موجة جديدة من الاستردادات، وهكذا تتحول خسارة ورقية في وول ستريت إلى تآكل في ثروة الأسر ومدخرات التقاعد وتشدد في الأوضاع المالية الأوروبية.
الفقاعة انتقلت من الأسهم إلى الائتمان
والأكثر إثارة للقلق أن الرهان على الذكاء الاصطناعي تمدد إلى سوق الديون، حيث تجاوز إصدار ديون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي 220 مليار دولار منذ بداية 2026، أي ضعف إجمالي العام الماضي، فيما تمثل الجهات المصدرة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي نحو ثلث صافي إصدارات السندات هذا العام.
وفي سوق السندات عالية العائد، قفز التعرض المباشر لمراكز البيانات من مستوى شبه معدوم إلى قرابة 5% من المؤشر، إلى جانب قروض مضمونة بمعالجات الرسوم وتمويلات خاصة، ما يعني أن المستثمر الذي يحاول الهروب من مخاطر أسهم التكنولوجيا إلى الائتمان قد يجد نفسه معرضاً للرهان الاقتصادي ذاته، وفق رويترز.
مراكز البيانات.. حين تصبح التقييمات إسمنتاً وديوناً
هذا التشابك يجعل أي تصحيح أكثر خطورة من مجرد خسائر سوقية، لأن تريليونات الدولارات من الإنفاق أصبحت مرتبطة باستمرار الطلب.
وتشير تقديرات موديز إلى أن ستة من أكبر مشغلي الحوسبة السحابية، من بينهم ألفابت وأمازون ومايكروسوفت وميتا، قد ينفقون نحو 785 مليار دولار خلال 2026، تقترب من تريليون دولار في 2027، معظمها على مراكز البيانات والبنية التحتية الحاسوبية.
وإذا بدأت الأسواق تشكك في العائد المتوقع من هذه الاستثمارات، فقد لا يتوقف الأثر عند الأسهم؛ بل يمتد إلى البناء والطاقة والرقائق ومطوري مراكز البيانات والمقرضين، مع تراجع التدفقات النقدية وارتفاع تكلفة رأس المال، وفق فوربس ووول ستريت جورنال.
لماذا تبدو «عملية الإنقاذ» أصعب هذه المرة؟
تختلف 2026 عن انفجار فقاعة الإنترنت، حيث يرى اقتصاديّو المركزي الأوروبي أن نقطة البداية الحالية تمنح الحكومات والبنوك المركزية مساحة أقل بكثير لخفض الفائدة أو فتح صنابير الإنفاق إذا هز الانهيار الاقتصاد.
ويبلغ التضخم العالمي المتوقع 4.7% في 2026 بعدما توقفت عملياً موجة تباطؤ الأسعار، فيما تقترب ديون الولايات المتحدة من 40 تريليون دولار، ودفعت مخاوف التضخم والعجز عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها في نحو عقدين.
ويُحذّر صندوق النقد الدولي من أن خفض الفائدة بقوة قد يُعيد إشعال التضخم، بينما تعني الديون والعوائد المرتفعة أن أي حزمة مالية ضخمة ستأتي بتكلفة أعلى.
فقاعة يمكن أن تنفجر حتى لو انتصر الذكاء الاصطناعي
يرى خبراء أسواق المال أن السيناريو المتشائم لا يحتاج إلى فشل (ChatGPT) أو انهيار الطلب على الرقائق؛ فالتاريخ الذي يستشهد به باحثو المركزي الأوروبي بدءًا من السكك الحديدية والكهرباء إلى الإنترنت، يشير إلى أن التكنولوجيا قد تغير العالم فعلاً بينما يخسر المستثمرون الذين دفعوا سعراً يفترض مستقبلاً أكثر مثالية مما يمكن للشركات تحقيقه.
وإذا جاء التصحيح بينما تعتمد الثروات وصناديق التقاعد وأسواق الائتمان ومئات المليارات من استثمارات مراكز البيانات على القصة نفسها، فقد يصبح انفجار «فقاعة الذكاء الاصطناعي» اختباراً للاقتصاد العالمي بقدر ما هو اختبار لوول ستريت، وفق البنك المركزي الأوروبي ورويترز.




