
تضع بكين الروبوتات ضمن أولوياتها الاستراتيجية، بينما تتسابق الشركات الصينية لتطوير آلات بشرية أكثر ذكاءً وقدرة على أداء مهام الحياة والعمل اليومية.
في مؤتمر الروبوتات العالمي في بكين هذا الأسبوع، لعبت روبوتات (بشريةُ الشكل) في فرقة موسيقية، وخاضت مباريات ملاكمة، ونظمت حركة المرور أمام حشود من المتفرجين المتحمسين، في أجواء أشبه بالكرنفال.
وتجولت روبوتات أخرى في أروقة المؤتمر وسط الحشود، فيما تعاون بعضها مع مشاهير صينيين، من بينهم يانغ لان، وهي مذيعة صينية بارزة. وعندما قبلت يانغ وردة من شريكها الروبوتي، رفع الروبوت ذراعيه ليشكل إشارة قلب، وسط هتافات الحاضرين.
وقد حدد صانعو السياسات في الصين الروبوتات باعتبارها أولوية استراتيجية ومصدراً مستقبلياً للنمو الاقتصادي، فيما دفعت بكين بالقوة الهائلة لأكبر قطاع تصنيع في العالم إلى دعم تطوير هذه الصناعة.
وتسيطر الصين على إنتاج الروبوتات البشرية الشكل على مستوى العالم، مع دخول شركات من بينها شركات صناعة السيارات ومصنعو الهواتف المحمولة ومجموعات الروبوتات الناشئة المتخصصة إلى القطاع.
واستقطب المؤتمر والمعرض، الذي يستمر خمسة أيام وبدأ الأربعاء، أكثر من 300 شركة عارضة. كما تنطلق يوم السبت في بكين الدورة الثانية من ألعاب الروبوتات البشرية العالمية.
طفرة في الأجهزة.. لكن «لحظة شات جي بي تي» لم تأت بعد
استغل مؤسس شركة صناعة الروبوتات الصينية «يونيتري»، وانغ شينغشينغ، التي قفزت قيمتها خمسة أضعاف في أول يوم لتداول أسهمها هذا الأسبوع، المؤتمر لتقديم صورة أكثر واقعية عن حالة الصناعة بعيداً عن الحماس الذي سيطر على أروقة المعرض.
وقال وانغ إن التطورات في الأجهزة الخاصة بالروبوتات البشرية كانت لافتة للغاية، إذ عرضت «يونيتري» روبوتات تقول الشركة إنها تستطيع القفز أعلى من أي إنسان، والوصول إلى سرعة جري تتجاوز سرعة العداء الأولمبي يوسين بولت.
لكن وانغ قال إن ما وصفه بـ«لحظة شات جي بي تي» للصناعة أي اللحظة التي تمتلك فيها الروبوتات البشرية الذكاء اللازم لتنفيذ مهام متنوعة باستقلالية حقيقية، لم تأت بعد.
وقال للمنتدى الخميس إن هذه اللحظة قد تأتي في غضون عامين إلى ثلاثة أعوام في أسرع تقدير، أو خمسة إلى عشرة أعوام في أبطأ تقدير، عندما يصبح بإمكان الجميع رؤية روبوت يُنقل إلى بيئة غير مألوفة ويكون قادراً على تنفيذ نحو 80% من المهام.
ووصف وانغ هذه اللحظة بأنها «نقطة تحول»، لن يمكن الوصول إليها إلا من خلال جمع المزيد من البيانات اللازمة لنماذج الذكاء الاصطناعي المادي، مشيراً إلى أن أكبر عنق زجاجة عالمياً يتمثل في قدرة الذكاء المتجسد على التعميم، إذ لا تزال قدراته غير كافية.
لكن آخرين توقعوا وصول هذه «اللحظة» في وقت أقرب. فقد قدر هي وانغ، مؤسس شركة «جالبوت» في بكين، أنها قد تحدث خلال عامين، بينما قال غاو جييانغ، الشريك المؤسس لشركة «جالاكسايا» في بكين، ووانغ شياوغانغ، رئيس شركة «إيس روبوتيكس»، إن العام المقبل قد يكون ممكناً.
البيانات هي العقبة الأكبر

روبوتات الصين تتقدم.. هل تستطيع التفوق على البشر؟ (فاينانشال تايمز)
حتى الذين يطرحون أهدافاً طموحة يتفقون على أن الشركات ستحتاج إلى زيادة حجم نماذج الذكاء الاصطناعي المستخدمة لتشغيل الروبوتات. لكن الوصول إلى ذلك يتطلب أولاً حل مشكلة كيفية جمع البيانات المعقدة التي تحتاج إليها الروبوتات لفهم العالم الحقيقي.
وقال شنغ تشونغ، رئيس أبحاث القطاع الصناعي في الصين لدى «مورغان ستانلي»، إن أحد التحديات الرئيسية أمام الصناعة يتمثل في تعزيز ذكاء الروبوتات، لأنها تفتقر حالياً إلى فهم شامل للعالم المادي بسبب عدم كفاية بيانات التدريب.
وقال كوري تشان، المحلل في إتش إس بي سي كيانهاي «HSBC Qianhai»، إن معظم الشركات المتقدمة حالياً تشغل نماذج تحتوي على 4 مليارات إلى 7 مليارات معمل، لكن الروبوتات البشرية قد تحتاج إلى مئات المليارات من المعامل حتى تتمكن من أداء مجموعة واسعة من المهام العامة بشكل جيد.
وأضاف تشان أن البرمجيات لا تزال دون المستوى المأمول، مشيراً إلى أن النماذج قد لا تتمكن إلا من الوصول إلى نطاق يتراوح بين 40 ملياراً و70 مليار معمل، وهو ما سيسمح للروبوتات بأداء مهام محدودة بكفاءة.
كيف تتعلم الروبوتات؟
يتم جمع بيانات تدريب الروبوتات البشرية بشكل عام من خلال أشخاص يرتدون أجهزة استشعار، أو برامج المحاكاة، أو الروبوتات نفسها أثناء تنفيذها للمهام.
وقال «جو»، وهو مهندس في شركة الروبوتات «ديكس فورس» ولم يرغب في نشر اسمه بالكامل، إن جمع البيانات الذي يتطلب مشغلين بشريين يفرض تكاليف كبيرة ولا يمكن تجنبها، مضيفاً أن عمليات المحاكاة منخفضة التكلفة المستندة إلى ألعاب الفيديو أصبحت أكثر انتشاراً.
وقال يو تشاو، مؤسس شركة «لوموس روبوتيكس» في شنتشن، إن جودة البيانات التي يتم جمعها يمكن أن تختلف بشكل كبير وفقاً للطريقة المستخدمة.
50 ألف روبوت صيني هذا العام

روبوتات الصين تتقدم.. هل تستطيع التفوق على البشر؟ (فاينانشال تايمز)
ورغم التحديات التقنية، يبدو أن سوق الروبوتات البشرية آخذ في النمو.
ويتوقع مورغان ستانلي أن تشحن الصين 50 ألف نموذج هذا العام. وفي عام 2025، بلغ عدد الروبوتات البشرية التي شحنتها الشركات الصينية بالآلاف، واستخدم بعضها في قطاعات تدريب الروبوتات الممولة حكومياً، بينما استخدم بعضها الآخر لأغراض الترفيه أو البحث.
لكن الاستخدامات التجارية، مثل المصانع أو قطاع الخدمات، لا تزال محدودة.
وقال يو من «لوموس» إن الروبوتات «مطلوبة بالتأكيد» في المصانع، بينما رأت شركات أخرى مشارِكة في المؤتمر أن الروبوتات ستتألق في دور المساعدين الشخصيين وقطاعات الخدمات.
كل الاستخدامات تقريباً كانت حاضرة
على أرضية المؤتمر، ظهرت تقريباً كل الاستخدامات الممكنة للروبوتات البشرية.
ففي أحد الأجنحة، قدمت روبوتات بشرية لامعة ترتدي الزي الرسمي إشارات يدوية مثل أفراد شرطة المرور. وفي مكان آخر، ساعدت أذرع روبوتية صفراء العمال على تقديم شاي الفقاعات وخلط الكوكتيلات.
وفي جناح شركة «يوبيتك»، رتبت روبوتات بشرية صناديق داخل مستودع تجريبي.
كما رحبت روبوتة بشرية ذات ملامح شبيهة بشخصيات الجان، بما في ذلك أذنان مدببتان، بالزوار في «حديقة الذكاء الاصطناعي المتجسد»، التي تضمنت أيضاً روبوتاً على شكل وحيد القرن.
الاختبار الحقيقي يبدأ خارج قاعات العرض
قال رينات ميرزاييتوف، الذي أسس مؤخراً شركة «Humanoid Analytics» لمتابعة عمليات نشر الروبوتات في القطاع، إن الصناعة ستتقدم بشكل تدريجي، مع إتقان الروبوتات للمهام الفردية واحدة تلو الأخرى، بدلاً من تحقيق اختراق مفاجئ يشبه «اللحظة السحرية».
وقال بو تشاو، وهو محلل مستقل زار المؤتمر، إن الروبوتات البشرية المخصصة للاستخدام المنزلي لا تزال بعيدة المنال، مضيفاً أن العام المقبل سيكون متعلقاً بـعمليات النشر المدفوعة على أرضيات المصانع، وليس بمن يمتلك الروبوت البشري الأفضل مظهراً.




