
INK★★★★
إخراج: داني بويل
بريطانيا (2026).
أول ما يخطر على بال الناقد حين يشاهد هذا الفيلم الجديد لداني بويل هو الكيفية التي جرى بها تجاوز الطابع المسرحي تماماً، وصولاً إلى حالة سينمائية خالصة. وليست هذه المرّة الأولى التي يحدث فيها هذا الانفصال بين العمل المسرحي والاقتباس السينمائي، لكن مَن لا يعرف أصل الفيلم لن يدرك أنه عمل مقتبس نُقل عن الخشبة. ألّفه جيمس غراهام، الذي يكتب للمسرح منذ عام 2005. وفي عام 2017 كتب «حبر»، وقدّمه على مسرح ألميدا، وهو مسرح صغير يقع في شمال لندن ويتّسع لنحو 320 شخصاً. ولاحقاً، انتقلت المسرحية بنجاح إلى أحد مسارح «وست إند»، ثم واصلت نجاحها على مسارح برودواي في نيويورك.
يغيب العنصر المسرحي ومفرداته تماماً عن هذا الفيلم، باستثناء مشهد الحوار الأول، الذي يأتي بعدما يبدأ الفيلم بلقطات بالأبيض والأسود لبعض شخصياته. وهو مشهد طويل نسبياً يجمع بطلي الفيلم الأساسيين، غاي بيرس وجاك أوكونيل. يجسّد الأول شخصية روبرت مردوخ، الذي اشترى للتو صحيفة «ذَ صن»، ويحاول إقناع الثاني، الذي يؤدي شخصية لاري لامب، الصحافي في «ديلي ميل»، بترك صحيفته والانتقال إلى «ذَ صن» رئيساً للتحرير. وفي هذا المشهد، الذي يستغرق نحو 5 دقائق، تلخيص لخلفية ما سنراه لاحقاً على امتداد دقائقه الـ116. يقبل لاري العرض المغري ويخوض التجربة، محاولاً تقديم صحافة بريطانية جديدة وناجحة، بعدما كان توزيع الصحيفة قد تراجع قبيل شراء مردوخ لها عام 1969. وفي ذلك الحين، كانت تعاني أزمةً، بعدما انخفضت مبيعاتها إلى أقل من 700 ألف نسخة يومياً.
لم تنل التجربة الأولى في هذا المجال رضا مردوخ. فقد انتقد رئيس التحرير أمام فريقه من المحررين، مما أثار غضب لاري لامب. لكن الانتقاد دفع لاري لامب إلى نفض الغبار عن الصحيفة وتحويلها كلياً إلى جريدة ترفيهية تغطي مختلف الشؤون التي تلبّي رغبات الفئات غير المحافظة، أو كما يقول في اجتماع تحريري عاصف: «أريد أن نغطي كل اهتمامات الناس اليومية». وشملت هذه الاهتمامات الرياضة والأبراج وبرامج التلفزيون والموضوعات النسائية، إلى جانب موضوعات أخرى، في مقدمتها الجنس.
وما إن فعل ذلك حتى ارتفع مؤشر التوزيع بوتيرة متسارعة، وواصل صعوده ليبلغ مليوني نسخة في أواخر السبعينات.
ينتهي الفيلم بتلك الضربة المركزية التي رفعت المبيعات إلى ذروتها، وهي نشر أول صورة في الصحافة البريطانية لامرأة عارية على الصفحة الأولى.
يلي ذلك انتقال من أحداث السبعينات والثمانينات إلى عالم اليوم، من خلال عرض سريع لصور ولقطات متتابعة، لا يستعرض التطورات التي شهدتها الصحافة العالمية ووسائل التواصل الاجتماعي، ولا تزال تشهدها، فحسب، بل يعبّر أيضاً عن الفارق المقلق بين عالم الصحافة الكلاسيكي وعالمها الراهن. ويتضمّن ذلك لقطة لإيلون ماسك بوصفه مؤشراً على مستقبل مقلق، إلى جانب دلالات على الوضع الذي تشهده الصحافة العالمية، وهي تحاول البقاء حيّة وسط اللهاث الحالي وراء كل تطوّر تقني جديد.
كتب غراهام السيناريو بنفسه، وصاغ من خلاله كل ما سبق من تاريخ صحافي وشخصي، لا للامب وحده، وهو محور الفيلم وشخصيته الرئيسية، بل للمحيطين به أيضاً، ومن بينهم مردوخ. وهناك أكثر من 15 شخصية مساندة تؤدي أدواراً أساسية، إلى جانب شخصيات أخرى تظهر مرحلياً ثم تمضي.
وإذ يمضي الفيلم واصفاً الأزمات المتلاحقة في حياة لامب والصحيفة، ويفرد وقتاً لتناول جريمة اختطاف زوجة نائب مردوخ ومساعده الأول وقتلها على يد رجلين من ترينيداد، يعرض المخرج حكاياته بأسلوب بصري رائع. ثمة لقطات عدّة مصوّرة بكاميرات مختلفة، وفواصل بين المشاهد تعبّر، بلقطات حيوية، عما يجول في نفوس الشخصيات، وتختصر المسافة حين لا بد لبعض المشاعر من أن تطفو على السطح، من دون حوار. وبذلك يحوَّل النص المسرحي إلى فعل سينمائي متكامل، خارج حدود الخشبة وشروطها.
يقدّم أوكونيل وبيرس، وسائر المشاركين، أداءً رائعاً وحيوياً، وقد أعرب مردوخ عن إعجابه بأداء بيرس لشخصيته. ويؤدي ذلك كله دوراً حاسماً في وضع الفيلم في مصاف أفضل أعمال مخرجه، وأفضل الأفلام التي تناولت عالم الصحافة منذ «المواطن كاين» لأورسن ويلز، قبل 85 عاماً.
RUNNER ★★★
إخراج: سكوت ووف
الولايات المتحدة (2026)
عروض: تجارية.
ينضم «راكض» إلى نوع الأفلام التي تمزج المخاطر والمطاردات بالمواقف والحوارات الخفيفة عبر بطولة ثنائية واحدة للتشويق والثانية للضحك بعيداً عن وطأة المشاهد الحادة أو بسببها.

النتيجة ليست سيئة، على الرغم من أن الحكاية مطروقة، وإن قُدّمت في مواقف مختلفة. فهي تتحدث عن رجل يُدعى هانك (آلان ريتشسون)، يقول إنه ودّع مرحلة خوض المخاطر وأعمال القتل بحثاً عن حياة عادية، يجدها الآن في العمل بتوصيل الطلبات في أنحاء متفرقة من أستراليا.
يتولى هانك تسليم طرد طبي يحتوي على كبد من فئة دم نادرة. ويرافقه في المهمة بن (أوين ويلسون)، الذي أحضر إليه الطرد، ويشاركه مغامرات الطريق المحفوفة بالمخاطر. وعليهما إيصاله إلى منزل بعيد خلال ساعات قليلة، لإنقاذ فتاة صغيرة من الموت، قبل أن يفسد الكبد وتفقد حياتها. لكن عصابة تسعى إلى سرقته، لكونه من فئة دم نادرة تتيح لها بيعه بمليون دولار.
ندرك باكراً أن الرحلة ستتعرض لهجوم مسلّحين، مما سيضطر هانك إلى التخلي عن هدوئه والدفاع عن الطرد الذي يتعين عليه إيصاله، مهما كانت العقبات.
وعلى الرغم من تقليدية الحبكة، فإن المخرج ووف لديه رغبة واضحة في تقديم فيلم خالٍ من الشوائب عموماً؛ فيلم سهل التقبّل وجيد التنفيذ إلى حد بعيد.
★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز




