تقنيات

النبوءة التي لم تتحقق.. لماذا لم يدمر الذكاء الاصطناعي الوظائف كما توقع الجميع؟ : CNN الاقتصادية



لم تتحول المخاوف من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى موجة واسعة من البطالة حتى الآن إلى واقع، بل تشير البيانات إلى أن التكنولوجيا الجديدة بدأت في الوقت الحالي تخلق وظائف جديدة بوتيرة تتجاوز الوظائف التي أُلغيت بسببها، مدفوعة خصوصًا بالاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات والطاقة والبنية التحتية.
وأظهرت بيانات مكتب إحصاءات العمل الأميركي أن الاقتصاد الأميركي أضاف 162 ألف وظيفة في أغسطس، متجاوزًا التوقعات، بينما استقر معدل البطالة عند 4.1%، كما ارتفع متوسط الأجر في الساعة للعاملين في القطاع الخاص بنسبة 0.3% خلال أغسطس وبنسبة 3.1% على أساس سنوي، وفقاً لذي إيكونوميست.

الذكاء الاصطناعي يضغط على بعض الوظائف

ورغم قوة سوق العمل إجمالًا، بدأت تداعيات الذكاء الاصطناعي تظهر في قطاعات ووظائف محددة.

وتراجعت عمليات التوظيف في قطاعي الخدمات المهنية والتجارية إلى نحو 10% دون متوسط مستوياتها خلال 2015-2019، بينما قلصت شركات تكنولوجيا كبرى مثل مايكروسوفت وميتا أعداد العاملين لديها ضمن إعادة تنظيم أعمالها حول الذكاء الاصطناعي.

كما تتجه شركات أصغر إلى استبدال بعض الوظائف بالأنظمة المؤتمتة، في حين أعلنت الشركات الأميركية عن نحو 16 ألف عملية تسريح مرتبطة بالذكاء الاصطناعي شهريًا في المتوسط منذ بداية العام، وفقًا لشركة «تشالنجر، غراي آند كريسماس» للاستشارات في مجال التوظيف.

لكن هذه الخسائر تظل صغيرة مقارنة بحجم حركة سوق العمل الأميركية، إذ يفقد أصحاب العمل نحو 1.7 مليون عامل في شهر نموذجي لأسباب مختلفة.

البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تخلق وظائف جديدة

في المقابل، أدى الإنفاق الضخم على البنية التحتية اللازمة لتشغيل الذكاء الاصطناعي إلى إطلاق موجة توظيف جديدة.

وتشير تقديرات «غولدمان ساكس» إلى أن الإنفاق السنوي على المعدات اللازمة لتشغيل الذكاء الاصطناعي، بما يشمل الرقائق والخوادم ومراكز البيانات وأنظمة التبريد والطاقة، أصبح أعلى بنحو 500 مليار دولار سنويًا مقارنة بمستوياته في 2022، العام الذي شهد الانتشار الواسع لـ«تشات جي بي تي».

كما تتجاوز وتيرة الإنفاق على إنشاء مراكز البيانات في الولايات المتحدة 75 مليار دولار سنويًا، بزيادة تقارب 60% على العام السابق.

ويتطلب هذا التوسع آلاف العمال من تخصصات مختلفة، من الكهربائيين ومهندسي شبكات الطاقة إلى فنيي أنظمة التبريد والتقنيين المسؤولين عن تركيب وصيانة المعدات.

وتشير تقديرات تحليلية إلى أن خمسة قطاعات مرتبطة مباشرة بتوسع مراكز البيانات أضافت منذ 2023 نحو 320 ألف وظيفة إضافية مقارنة بما كان متوقعًا استنادًا إلى اتجاهات قطاعي البناء والتصنيع على نطاق أوسع.

أجور أعلى ونقص في العمالة

ولا يقتصر تأثير طفرة مراكز البيانات على زيادة عدد الوظائف، بل يمتد إلى الأجور أيضًا.

وتشير بيانات منصات التوظيف إلى أن وظائف التركيب والصيانة في مراكز البيانات تعرض أجورًا أعلى بنحو 40% من الوظائف المماثلة في أماكن أخرى، بينما ارتفعت الأجور بالساعة خلال العام المنتهي في يونيو بأكثر من 13% في قطاع تصنيع المعدات الكهربائية، وبنحو 8% لدى مقاولي الكهرباء.

ويعكس ذلك وجود طلب قوي على العمالة المتخصصة في الوقت الذي تكافح فيه الشركات لتوفير العدد الكافي من الموظفين اللازمين لتنفيذ مشروعات البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وظائف جديدة تظهر حول الذكاء الاصطناعي

ولا تقتصر الوظائف التي أوجدها الذكاء الاصطناعي على عمال البناء والبنية التحتية، إذ نشأت أيضًا فئة جديدة من الوظائف المكتبية المتخصصة.

وتشمل هذه الوظائف مهندسي الذكاء الاصطناعي، ومختصي إعداد البيانات وتصنيفها، والمهندسين الذين يطورون تطبيقات النماذج لتلبية احتياجات العملاء، إضافة إلى المناصب الإدارية مثل رؤساء الذكاء الاصطناعي المسؤولين عن تحديد كيفية توظيف التكنولوجيا داخل الشركات.

وتظهر بيانات «لينكدإن» أن إعلانات الوظائف الخاصة برؤساء الذكاء الاصطناعي ومهندسي الذكاء الاصطناعي ومديري الذكاء الاصطناعي تضاعفت تقريبًا مقارنة بمستويات 2023-2024.

وتشير تقديرات لمعهد «برنينغ غلاس» إلى أن نحو 1% من الوظائف المهنية في الولايات المتحدة أصبحت حاليًا وظائف مرتبطة مباشرة بالذكاء الاصطناعي، بما يعادل نحو مليون وظيفة.

وفي قطاعات علوم الحاسب والعلوم الحيوية، تصل النسبة إلى نحو 4% إلى 5%، بينما تقدر «لينكد إن» أن نحو 640 ألف وظيفة جديدة متخصصة في الذكاء الاصطناعي ظهرت بين عامي 2023 و2025.

الذكاء الاصطناعي يعزز إنتاجية بعض الوظائف

هناك مصدر ثالث لنمو الوظائف يتمثل في زيادة الإنتاجية.

فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد المحامين على إعداد العقود بسرعة أكبر، والمحللين على مراجعة كميات ضخمة من البيانات والملفات المالية خلال دقائق، ما قد يخفض تكلفة بعض الخدمات المهنية ويؤدي في المقابل إلى زيادة الطلب عليها.

وتبدو بعض المهن التي كان يُنظر إليها سابقًا باعتبارها شديدة التعرض لخطر الاستبدال مثالًا على هذا التأثير.

فقد ارتفع عدد العاملين في وظائف المساعدين القانونيين بنحو 11% بين 2023 و2025، بينما زاد عدد العاملين في وظائف محللي أبحاث السوق بنحو 6%، مقارنة بمتوسط نمو وطني بلغ نحو 2.5% خلال الفترة نفسها.

بعض الوظائف الروتينية تتراجع

لكن تأثير الذكاء الاصطناعي ليس إيجابيًا على جميع المهن.

فمنذ يناير 2023، انخفض عدد العاملين في وظائف خدمة العملاء بنحو 10%، بينما تراجع عدد العاملين في وظائف السكرتارية والمساعدين الإداريين بنحو 15%.

وتعد هذه الوظائف من بين الأكثر اعتمادًا على المهام الروتينية التي أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة بصورة متزايدة على تنفيذها.

ويتوقع مكتب إحصاءات العمل الأميركي أن تخسر وظائف الدعم المكتبي والإداري نحو 752 ألف وظيفة بحلول 2035.

هل انتهى شبح «كارثة الوظائف»؟

تشير المؤشرات الحالية إلى أن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سوق العمل أكثر مما يقضي عليه حتى الآن.

فقد أوجدت التحولات التكنولوجية السابقة ملايين الوظائف الجديدة التي لم تكن موجودة قبل ظهور الحوسبة والإنترنت والتجارة الإلكترونية واقتصاد المحتوى، ومن المحتمل أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى ظهور وظائف جديدة لم تكن متوقعة قبل سنوات قليلة.

وبينما تظل مخاطر الاستغناء عن العمالة قائمة، خصوصًا في الوظائف الروتينية، فإن المرحلة الحالية تشير إلى أن طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي تخلق في الوقت نفسه طلبًا جديدًا على العمالة، سواء لبناء البنية التحتية التي تحتاج إليها التكنولوجيا أو لتطوير نماذجها وتشغيلها وتطبيقها داخل الشركات.

ولا يعني ذلك أن «كارثة وظائف الذكاء الاصطناعي» قد أُلغيت، وإنما قد تكون تأجلت إلى أن تصبح قدرات التكنولوجيا أكثر اتساعًا وتأثيرًا على مجموعة أكبر من المهن.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى