
الاشتباه في المحتوى المكتوب بالذكاء الاصطناعي
أحد الآثار الجانبية المثيرة للاهتمام للانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي هو تنامي الشعور بالشك في أن أي نوع من المحتوى الرقمي الذي نستهلكه ربما يكون قد أُنشئ بواسطة الذكاء الاصطناعي.
وعندما يصادف المستخدمون الآن الشرطة الطويلة (em dash)، وهي علامة ترقيم كانت تُستخدم بصورة طبيعية، قد تدق أجراس الإنذار باعتبارها دليلاً على استخدام الذكاء الاصطناعي. وتُعرف هذه العلامة على نطاق واسع باسم «شرطة تشات جي بي تي» باعتبارها واحدة من عدة مؤشرات قد تكشف أن النص ربما كُتب باستخدام الذكاء الاصطناعي.
لكن استخدام الشرطة الطويلة وحده لا يثبت أن النص كتبه الذكاء الاصطناعي، فهي موجودة منذ فترة طويلة قبل ظهور «تشات جي بي تي»، ولا يزال كثير من الكُتاب يستخدمونها. ومع ذلك، فإن ظهورها إلى جانب أنماط أخرى شائعة في الكتابة باستخدام الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون مؤشراً على احتمال تدخل الذكاء الاصطناعي.
كيف يمكن التعرف على الكتابة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي؟
هناك عدة مؤشرات يمكن أن تكشف أن النص ربما كُتب بواسطة الذكاء الاصطناعي، وهي أنواع معينة من العبارات والكلمات وعلامات الترقيم التي تميل أدوات الذكاء الاصطناعي إلى استخدامها بمعدلات أعلى بكثير من الكُتاب البشريين.
ورغم أن أياً من هذه المؤشرات لا يمثل دليلاً مثالياً على أن الذكاء الاصطناعي كتب النص، وبالتالي فإن أدوات اكتشاف المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي ستعطي دائماً بعض النتائج الإيجابية الخاطئة، فإنها تميل إلى تقديم مؤشر كافٍ على استخدام الذكاء الاصطناعي عند تطبيقها على عينة كبيرة بما يكفي.
وتشمل هذه المؤشرات، على سبيل المثال، الشرطة الطويلة، وفاصلة أكسفورد، وبعض الكلمات التي تظهر بمعدلات أعلى في النصوص المكتوبة بالذكاء الاصطناعي.
لماذا تظهر هذه العلامات في نصوص الذكاء الاصطناعي؟
كما هو الحال دائماً مع الذكاء الاصطناعي، تكمن الإجابة في بيانات التدريب. فالنماذج تُدرّب على مجموعات ضخمة من النصوص التي كتبها البشر، وتمثل الكتابات الصحفية والأكاديمية جزءاً كبيراً من النصوص المتاحة للعامة، ولذلك تكون ممثلة بصورة أكبر في بيانات التدريب.
وهذا يفسر سبب ظهور أشياء مثل الشرطة الطويلة أو بعض الكلمات التي قد تكون أقل شيوعاً في الكتابات غير المهنية بمعدلات أعلى في النصوص التي يكتبها الذكاء الاصطناعي.
دراسة شملت 490 ألف نص
كما ارتفع استخدام فاصلة أكسفورد بنسبة 63%، بينما زاد ظهور الكلمات الشائعة في نصوص الذكاء الاصطناعي، مثل «محوري» (pivotal)، و«يؤكد» (underscore)، و«حيوي» (vibrant)، بأكثر من الضعف.
أما استخدام التوازي السلبي، أي صياغات من نوع «الأمر لا يقتصر على هذا، بل يشمل أيضاً ذلك»، فقد اقترب من ثلاثة أمثال مستواه منذ أوائل عام 2023، رغم أنه لا يزال أقل شيوعاً من مؤشرات الذكاء الاصطناعي الأخرى التي تناولها تحليل «بيو».
وعند النظر إلى الاتجاه العام، يتضح سبب اعتبار هذه السمات مؤشرات على استخدام الذكاء الاصطناعي، إذ بدأت جميع هذه الخصائص الأسلوبية في الظهور بمعدلات متزايدة في المحتوى المنشور عبر الإنترنت منذ إطلاق «تشات جي بي تي»، بالتوازي بصورة وثيقة مع ارتفاع النصوص التي يُرجح أنها كُتبت بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
هل يستولي الذكاء الاصطناعي على الإنترنت؟
لمعرفة حجم المحتوى المنشور عبر الإنترنت الذي يُكتب فعلياً باستخدام الذكاء الاصطناعي، حللت مؤسسة «بيو» للأبحاث ما يقرب من نصف مليون صفحة إلكترونية أرشفتها منظمة «كومن كرول» (Common Crawl) غير الربحية، باستخدام أداة للكشف عن الذكاء الاصطناعي تُعرف باسم «أوبن بانغرام» (Open Pangram)، والتي تستخدم التعلم الآلي لتحديد ما إذا كان النص يُرجح أن يكون قد كُتب بواسطة الذكاء الاصطناعي.
وأظهرت النتائج زيادة ملحوظة في المحتوى الذي يُرجح أن يكون قد كُتب بواسطة الذكاء الاصطناعي منذ إطلاق «تشات جي بي تي» في نوفمبر 2022.
ففي حين أن 1% فقط من صفحات الويب ضمن نطاقات .com كانت تظهر عليها مؤشرات قوية على استخدام الذكاء الاصطناعي قبل ذلك التاريخ، ارتفعت هذه النسبة إلى أكثر من 9% خلال النصف الأول من عام 2026.
ورغم أن هذه النسبة قد لا تبدو كبيرة، فإنه تجدر الإشارة إلى أن العينة تضمنت صفحات نُشرت قبل إطلاق «تشات جي بي تي»، ما يعني أن نسبة النصوص التي أُنشئت بواسطة الذكاء الاصطناعي يُرجح أن تكون أعلى بكثير في المحتوى الأحدث.
35% من صفحات الويب الحديثة تحمل مؤشرات قوية
وبعد تصفية المواقع المنشورة بعد إطلاق «تشات جي بي تي»، وجدت «بيو» أن 35% من صفحات الويب التي شملتها العينة في يوليو 2026 أظهرت احتمالاً مرتفعاً لأن تكون قد كُتبت أو عُدلت باستخدام الذكاء الاصطناعي، مقارنة بـ9.6% فقط من جميع المواقع في عينة يوليو 2026.
وتوضح هذه النتائج مدى سرعة انتشار المحتوى الذي يُنشأ باستخدام الذكاء الاصطناعي عبر الإنترنت، كما تشير إلى أن الشكوك بشأن النصوص المنشورة على الإنترنت ليست بلا أساس.
وفي المقابل، يبدو أن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يزال أقل بكثير في المواقع التي تحمل نطاقات .gov أو .edu، ما يعني أن الجهات الحكومية والمؤسسات التعليمية لا تزال تعتمد على الكتابة البشرية بدرجة أكبر.
الذكاء الاصطناعي يغيّر أيضاً طريقة الكتابة على الإنترنت
لا يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي على زيادة حجم المحتوى الذي يُكتب أو يُعدل باستخدامه، بل يبدو أنه يغيّر أيضاً اللغة والأسلوب المستخدمين في المحتوى المنشور عبر الإنترنت.
فمنذ إطلاق «تشات جي بي تي»، أصبحت عدة أنماط كتابية مرتبطة عادةً بنماذج الذكاء الاصطناعي أكثر شيوعاً، من بينها الشرطة الطويلة، وفاصلة أكسفورد، وبعض المفردات والتراكيب اللغوية.
وتشير بيانات «بيو» إلى أن استخدام الشرطة الطويلة تضاعف تقريباً، بينما ارتفع استخدام فاصلة أكسفورد بنسبة 63%، كما زاد ظهور بعض الكلمات المرتبطة بالكتابة باستخدام الذكاء الاصطناعي بأكثر من الضعف.
وفي الوقت نفسه، ارتفع استخدام التوازي السلبي، الذي يتضمن تراكيب مثل «الأمر لا يقتصر على كذا، بل يشمل كذا أيضاً»، بنحو ثلاثة أمثال منذ أوائل عام 2023، رغم أنه لا يزال أقل شيوعاً من المؤشرات الأخرى.
وبالنظر إلى هذه الاتجاهات مجتمعة، تظهر علاقة واضحة بين انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي وتغير الطريقة التي تبدو بها النصوص المنشورة على الإنترنت، بالتزامن مع الارتفاع في المحتوى الذي يُرجح أن يكون قد كُتب أو عُدل باستخدام الذكاء الاصطناعي.




