تقنيات

%29 نمواً في تجارة الذكاء الاصطناعي.. هل أصبح الاقتصاد العالمي رهينة لصناعة واحدة؟ : CNN الاقتصادية



تحوَّلت طفرة الذكاء الاصطناعي من مجرد سباق بين شركات التكنولوجيا لتطوير نماذج أكثر تقدماً، إلى محرك رئيسي للتجارة العالمية، يعيد رسم خريطة الصادرات الصناعية، ويمنح اقتصادات آسيوية مكاسب استثنائية، بينما يثير تساؤلات بشأن قدرة الاقتصاد العالمي على تحمل تباطؤ الاستثمارات في الرقائق والخوادم ومراكز البيانات.
وارتفعت التجارة العالمية بنسبة 8.3% بين عامي 2023 و2025، مقابل قفزة بلغت 29% للتجارة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ولولا هذه الطفرة، لكان نمو التجارة العالمية قد اقتصر على 4.6%، ما يكشف عن اعتماد متزايد على صناعة واحدة لدعم التدفقات التجارية الدولية، بحسب بيانات كشف عنها صندوق النقد الدولي ونقلتها وكالة رويترز، في 13 أكتوبر تشرين الأول 2026.

الذكاء الاصطناعي مسؤول عن 45% من نمو التجارة

تكشف المقارنة بين تقديرات صندوق النقد الدولي أن تجارة الذكاء الاصطناعي أضافت نحو 3.7 نقطة مئوية إلى النمو التجاري العالمي بين 2023 و2025، بما يعادل 44.6% من إجمالي الزيادة المسجلة خلال الفترة.

ويقول خبراء الأسواق إن هذه النتيجة، المستخلصة حسابياً من بيانات الصندوق، لا تعني أن الذكاء الاصطناعي يمثل 45% من إجمالي التجارة العالمية، بل أنه أسهم بهذه النسبة في نموها، وهو فارق جوهري عند قياس درجة اعتماد الاقتصاد العالمي على قطاع التكنولوجيا.

وتؤكد أحدث بيانات منظمة التجارة العالمية أن هذا الاتجاه تسارع خلال 2026، إذ استحوذت المنتجات الداعمة للذكاء الاصطناعي، وعلى رأسها أشباه الموصلات والخوادم، على 47% من النمو في قيمة تجارة السلع العالمية خلال النصف الأول من العام، بعدما قفزت تجارتها بنسبة 67% على أساس سنوي.

ودفعت هذه الطفرة المنظمة، في تقريرها الصادر 8 أكتوبر تشرين الأول، إلى رفع توقعاتها لنمو حجم تجارة السلع العالمية في 2026 إلى 3.9% بدلاً من 1.9%، مع توقع نمو بنسبة 4.1% في 2027.

الرقائق والخوادم تعيدان رسم خريطة التجارة

تبدأ دورة التجارة الجديدة من الطلب على مراكز البيانات الأميركية، وتمتد إلى مصانع أشباه الموصلات الآسيوية، مروراً بمكونات الذاكرة والخوادم ومعدات الشبكات والطاقة.

وبخلاف صناعات تقليدية تعتمد بدرجة كبيرة على الاستهلاك النهائي، يرتبط جانب رئيسي من هذا الطلب بالإنفاق الرأسمالي للشركات الكبرى، التي تتنافس على توسيع قدراتها الحاسوبية.

ويشير الخبراء إلى بيانات منظمة التجارة العالمية التي تُظهر مفارقة لافتة؛ فبينما دفعت المنتجات التكنولوجية التجارة إلى النمو، تعرضت أسواق الطاقة لاضطرابات حادة، وانخفضت صادرات الشرق الأوسط من النفط الخام بنحو 24% والغاز الطبيعي المسال بنسبة 47% خلال النصف الأول من 2026، قبل أن تخفف الإمدادات البديلة أثر الصدمة على التجارة العالمية.

آسيا تحصد المكاسب.. والصين في المقدمة

تستفيد الصين وتايوان وكوريا الجنوبية من تمركز سلاسل تصنيع الرقائق والمكونات الإلكترونية وتجميع معدات الحوسبة في آسيا، بينما تحقق الهند مكاسب مرتبطة بالخدمات الرقمية والبنية التحتية الداعمة للذكاء الاصطناعي.

وقالت سيلفانا تينريرو، كبيرة الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، وفق رويترز، إن الطلب القوي على الذكاء الاصطناعي دعم النمو في الصين والهند واقتصادات آسيوية أخرى، محذرة في الوقت نفسه من التركّز الشديد لسلاسل التوريد في عدد محدود من الدول والقطاعات.

وتقدم الصين أحدث دليل على اتساع هذه المكاسب؛ إذ ذكرت صحيفة فايننشال تايمز، في 14 أكتوبر، أن صادراتها قفزت بنسبة 36.3% خلال سبتمبر، وأسهمت المنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بنحو 13 نقطة مئوية من هذا النمو، بالتزامن مع ارتفاع صادرات أشباه الموصلات ومعدات معالجة البيانات.

ويعني ذلك أن استثمارات التكنولوجيا الأميركية لم تعد تخلق طلباً محلياً فحسب، بل تنقل جانباً كبيراً من العوائد الصناعية إلى الاقتصادات التي تمتلك قدرات التصنيع والتوريد.

هل أصبحت التجارة العالمية شديدة التركّز؟

يمكن قياس هذا التحول باستخدام قاعدة بيانات (UN Comtrade)، عبر تتبع صادرات الدوائر الإلكترونية المتكاملة (HS 8542)، وأجهزة معالجة البيانات (HS 8471)، ومقارنتها بصادرات السيارات (HS 8703) والآلات الصناعية والمنتجات الكيماوية.

ولفت خبراء الأسواق إلى أن التصنيفات الجمركية لا تفصل دائماً بين المنتجات المستخدمة في الذكاء الاصطناعي وتلك الموجهة للاستخدامات التقليدية، ما يجعلها مؤشراً تقريبياً، لا بديلاً عن تعريف صندوق النقد للسلع المرتبطة بهذه الصناعة.

ولقياس درجة التركّز، يمكن حساب حصة أكبر خمسة قطاعات وأكبر خمسة اقتصادات من الزيادة في قيمة الصادرات العالمية بين 2023 و2026، باستخدام البيانات المتاحة لكل فترة، ثم مقارنتها بحصصها قبل الطفرة.

وتشير مساهمة الذكاء الاصطناعي البالغة 44.6% في نمو التجارة خلال 2023–2025، و47% في النصف الأول من 2026، إلى تركّز مرتفع في مصادر النمو، وإن كانت الفترتان والمنهجيتان مختلفتين ولا تصلحان لإثبات اتجاه تصاعدي دقيق وحدهما.

ماذا يحدث إذا تباطأت طفرة الذكاء الاصطناعي؟

يمكن بناء اختبار ضغط افتراضي يفترض انخفاض مساهمة الذكاء الاصطناعي في نمو التجارة إلى النصف، مع بقاء العوامل الأخرى ثابتة.

وفق هذا السيناريو، تتراجع مساهمته التاريخية من 3.7 إلى 1.85 نقطة مئوية، لينخفض نمو التجارة الإجمالي من 8.3% إلى نحو 6.45% خلال فترة مماثلة.

ولا تمثل هذه النتيجة توقعاً رسمياً لعام 2026 أو 2027، بل محاكاة حسابية توضح حساسية التجارة العالمية لانكماش محركها التكنولوجي.

وحذّر صندوق النقد، من أن تراجع تقييمات شركات التكنولوجيا أو خيبة الآمال بشأن مكاسب الإنتاجية قد يؤديان إلى انخفاض الطلب الاستثماري، مع مخاطر إضافية مرتبطة بالأمن السيبراني والاستقرار المالي، وفق رويترز.

ويقول خبراء أسواق المال إن الاقتصاد العالمي لم يصبح معتمداً بالكامل على صناعة واحدة، لكنه بات أكثر حساسية لدورة استثماراتها، فإذا نجح الذكاء الاصطناعي في تحقيق مكاسب إنتاجية واسعة، قد تتحول الطفرة إلى مصدر مستدام للنمو؛ أما إذا تباطأت الاستثمارات قبل ظهور هذه المكاسب، فقد تتراجع معها إحدى أهم دعامات التجارة الدولية.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى