شؤون عربية ودولية

الأسواق العالمية أمام اختبار النفط والفائدة.. هل نقترب من «التضخم الجيوسياسي»؟ : CNN الاقتصادية



لم تعد الأسواق العالمية تتحرك اليوم وفق المعادلة التقليدية التي اعتدناها: نمو اقتصادي، تضخم، ثم قرار من البنك المركزي بشأن أسعار الفائدة.

المعادلة أصبحت أكثر تعقيدًا.

ففي الوقت الذي تحاول فيه الأسواق تقييم مسار الاقتصاد العالمي وسياسات البنوك المركزية، عاد عامل آخر إلى الواجهة بقوة: الجغرافيا السياسية للطاقة.

أسعار النفط تتجه حاليًا لتحقيق مكاسب أسبوعية جديدة، مع استمرار المخاطر المرتبطة بالإمدادات من منطقة الشرق الأوسط.

وهنا تبدأ المشكلة الاقتصادية الحقيقية.

ارتفاع النفط لا يعني فقط ارتفاع تكلفة الوقود، النفط يدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تكلفة النقل والإنتاج والطاقة والعديد من السلع والخدمات، وبالتالي فإن استمرار ارتفاعه لفترة طويلة يمكن أن يعيد خلق ضغوط تضخمية في اقتصادات كانت تحاول أصلًا الخروج من موجة التضخم السابقة.

وهذا يقودنا إلى السؤال الأهم بالنسبة للأسواق: ماذا يحدث إذا ارتفعت أسعار الطاقة في الوقت الذي لا يزال فيه التضخم أعلى من المستويات التي تستهدفها البنوك المركزية؟

في هذه الحالة، تصبح مهمة البنك المركزي أكثر صعوبة.

فإذا خفض أسعار الفائدة لدعم النمو، فقد يخاطر بإعطاء التضخم دفعة جديدة، وإذا أبقى الفائدة مرتفعة، فقد يضغط على الاستثمار والاستهلاك والائتمان، وهذه ليست مشكلة نظرية فقط.

تشير توقعات الاقتصاديين التي نقلتها رويترز في أغسطس آب إلى أن الاحتياطي الفيدرالي قد يبقي أسعار الفائدة دون خفض خلال العام، في ظل استمرار التضخم فوق المستوى المستهدف.

ومن هنا أرى أن الأسواق تدخل مرحلة يمكن وصفها بـ«التضخم الجيوسياسي».

والمقصود هنا ليس أن كل ارتفاع في النفط سيؤدي تلقائيًا إلى تضخم طويل الأمد، بل أن الأحداث الجيوسياسية أصبحت قادرة على التأثير في التضخم من خلال قناة الطاقة، حتى عندما لا يكون الطلب المحلي هو السبب الرئيسي لارتفاع الأسعار، وهذه نقطة مهمة جدًا، لأن التضخم الناتج عن قوة الطلب يمكن للبنك المركزي مواجهته برفع الفائدة وإبطاء الاقتصاد.

أما عندما يأتي جزء من التضخم من صدمة في جانب العرض، مثل ارتفاع أسعار الطاقة، فإن رفع الفائدة لا ينتج مزيدًا من النفط ولا يعيد الإمدادات إلى الأسواق، بل قد يؤدي فقط إلى إبطاء الاقتصاد.

وهنا يظهر خطر السيناريو الذي تخشاه الأسواق: تباطؤ اقتصادي مصحوب بتضخم مرتفع، أي الركود التضخمي.

لكنني لا أعتقد أن الأسواق العالمية دخلت هذه المرحلة حتى الآن، الأدق اقتصاديًا هو القول إنها تختبر احتمالها، وهذا الفرق مهم.

فالنفط قد يعود إلى الانخفاض إذا تراجعت المخاطر الجيوسياسية وتحسنت توقعات الإمدادات، وإذا حدث ذلك فقد تتراجع الضغوط التضخمية المرتبطة بالطاقة، وتستعيد البنوك المركزية مساحة أكبر للتحرك.

أما إذا استمرت اضطرابات الإمدادات وارتفعت أسعار النفط لفترة أطول، فستبدأ الأسواق في إعادة تسعير توقعاتها بشأن الفائدة والتضخم والنمو.

وهنا لن تكون الأسهم وحدها هي المتأثرة.

السندات ستصبح أكثر حساسية لبيانات التضخم، وعوائدها قد ترتفع إذا تراجعت توقعات خفض الفائدة، الدولار قد يستفيد من ارتفاع الطلب على الأصول الآمنة ومن بقاء السياسة النقدية أكثر تشددًا، بينما سيظل الذهب في منطقة وسطى بين الاستفادة من المخاطر الجيوسياسية والتأثر بارتفاع العوائد الحقيقية والدولار.

أما الأسهم، خصوصًا أسهم النمو والتكنولوجيا، فستحتاج إلى شيء إضافي حتى تحافظ على تقييماتها المرتفعة: نمو قوي ومستدام في الأرباح.

وهنا أعتقد أن الطريقة الصحيحة لقراءة السوق في المرحلة الحالية ليست السؤال: «هل ستنهار الأسواق؟».

هذا سؤال مبسط أكثر من اللازم، السؤال الاقتصادي الأكثر أهمية هو: هل تستطيع الشركات تحقيق نمو في الأرباح يكفي لتعويض ارتفاع تكلفة رأس المال والمخاطر الجيوسياسية؟

إذا كانت الإجابة نعم، فقد تستمر الأسهم في الصمود حتى في بيئة أسعار فائدة مرتفعة نسبيًا، أما إذا بدأ ارتفاع الطاقة يتحول إلى ضغط على هوامش الشركات وعلى إنفاق المستهلكين، فقد تتغير الصورة تدريجيًا.

ومن وجهة نظري، فإن أكبر خطر على الأسواق خلال الفترة المقبلة ليس ارتفاع النفط في حد ذاته، وإنما استمراره.

السوق يستطيع غالبًا استيعاب صدمة مؤقتة، لكن عندما تتحول الصدمة المؤقتة إلى اتجاه مستمر، تبدأ الشركات والمستهلكون والبنوك المركزية في تغيير سلوكهم.

وهنا يتحول النفط من مجرد أصل مالي يتم تداوله في الأسواق إلى متغير اقتصادي كلي يؤثر في التضخم والفائدة والنمو وتقييمات الأصول.

لذلك، أعتقد أن المستثمرين في المرحلة المقبلة يجب ألا يراقبوا مؤشرًا واحدًا فقط، بل عليهم مراقبة العلاقة بين ثلاثة متغيرات: النفط، التضخم، وأسعار الفائدة.

فإذا تراجع النفط، واستمر التضخم في الانخفاض، وأصبحت البنوك المركزية أكثر استعدادًا لخفض الفائدة، فإن البيئة ستظل داعمة للأصول عالية المخاطر.

أما إذا بقي النفط مرتفعًا، وأظهر التضخم مقاومة للانخفاض، واضطرت البنوك المركزية إلى تأجيل خفض الفائدة، فقد ننتقل إلى بيئة أكثر صعوبة، يصبح فيها اختيار الأصول وإدارة المخاطر أهم من مجرد البحث عن أعلى عائد.

وفي رأيي، هذه هي النقطة التي يجب أن ننتبه إليها الآن.

الأسواق لا تخبرنا بأن أزمة عالمية قادمة حتمًا، لكنها تخبرنا بأن قواعد التسعير أصبحت أكثر تعقيدًا.

فالاقتصاد العالمي لم يعد يتأثر فقط بما يحدث داخل المصانع والأسواق المحلية، بل بما يحدث على خطوط الطاقة، وفي الممرات التجارية، وعلى طاولة المفاوضات بين القوى الكبرى.

ولهذا، فإن السؤال الذي سأراقبه خلال المرحلة المقبلة ليس فقط: إلى أين يتجه النفط؟ بل: هل يستطيع الاقتصاد العالمي امتصاص ارتفاع النفط من دون أن يتحول إلى تضخم دائم؟

الإجابة عن هذا السؤال قد تكون أكثر أهمية للأسواق من أي قرار منفرد بشأن أسعار الفائدة.

تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثل آراء الكاتب فقط، ولا تعكس أو تمثل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى