تقنيات

بنك التسويات الدولية يحذّر: طفرة الذكاء الاصطناعي تربك حسابات التضخم والفائدة : CNN الاقتصادية



تجد البنوك المركزية نفسها أمام مفارقة نقدية جديدة، وهي طفرة الذكاء الاصطناعي ترفع الإنفاق والاستثمار وأسعار الأصول الآن، لكنها قد توسّع القدرة الإنتاجية وتخفض التكاليف لاحقاً، وبين الأثرين، تصبح قراءة التضخم وتحديد المستوى المناسب لأسعار الفائدة أكثر صعوبة.
وحذّر بنك التسويات الدولية من أن الذكاء الاصطناعي يؤثر في العرض والطلب بالتزامن، بما «يشوّش الإشارات الدورية» التي يعتمد عليها صانعو السياسة لتقييم ما إذا كان الاقتصاد ينمو بوتيرة صحية أم يتجه نحو فرط النشاط، بحسب رويترز.

الطلب يصل أولاً.. والإنتاجية تتأخر

يقول البنك إن الطلب الناتج عن الذكاء الاصطناعي أصبح ملموساً بالفعل عبر بناء مراكز البيانات وشراء الرقائق وتوسيع شبكات الكهرباء والخدمات السحابية، بينما لا تزال مكاسب الإنتاجية الواسعة المنتظرة من التكنولوجيا غير مؤكدة من حيث الحجم والتوقيت والتوزيع.

وتقدّر نشرة بنك التسويات الدولية أن الاستثمار في مراكز البيانات ومصانع أشباه الموصلات والبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بلغ نحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي في الاقتصادات الأكثر تعرضاً للطفرة، ووصل الإنفاق المقدر في الولايات المتحدة إلى قرابة 0.8% من الناتج، وتجاوز 1% في أستراليا.

كم يبلغ حجم الاستثمار العالمي بحلول 2030؟

ويتوقع المشاركون في الصناعة ارتفاع الاستثمار العالمي المرتبط بالذكاء الاصطناعي من نحو 500 مليار دولار حالياً إلى ما بين 3 و4 تريليونات دولار بحلول 2030، مع احتمال تضاعف الإنفاق الرأسمالي على مراكز البيانات ثلاث مرات خلال الفترة نفسها، وفق البنك.

هذه الموجة تدعم النمو والتوظيف في البناء والتكنولوجيا والطاقة، لكنها ترفع أيضاً الطلب على الكهرباء والمعدات المتقدمة والعمالة المتخصصة والأراضي، ما قد يولّد اختناقات وارتفاعات في الأسعار قبل أن تظهر أي وفورات إنتاجية حقيقية.

فائدة مرتفعة أم اقتصاد أكثر كفاءة؟

ويرى خبراء أسواق المال أنه بالنسبة إلى البنوك المركزية، يمكن أن يقود الغموض إلى خطأين متعاكسين؛ فإذا افترضت أن طفرة الاستثمار تعكس تحسناً سريعاً في القدرة الإنتاجية، فقد تُبقي السياسة النقدية ميسّرة أكثر من اللازم، فتسمح بترسخ التضخم، أما إذا تعاملت مع كل النمو المرتبط بالذكاء الاصطناعي باعتباره طلباً تضخمياً، فقد ترفع الفائدة بقوة وتخنق استثمارات قادرة على زيادة الإنتاج مستقبلاً.

وتزداد صعوبة القرار لأن الذكاء الاصطناعي قد يغيّر مؤشرات لا يمكن رصدها مباشرة، مثل معدل الفائدة المحايد ومعدل البطالة المتوافق مع استقرار الأسعار، كما يمكن أن تخفي زيادة الإنتاجية ضغوطاً قوية على الطلب، أو تجعل نمواً سريعاً يبدو مستداماً رغم اعتماده على دورة إنفاق مؤقتة، بحسب بنك التسويات الدولية.

وامتد الجدل إلى صناع السياسة النقدية؛ إذ يرى بعض المسؤولين أن الإنتاجية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي قد تسمح بنمو أسرع دون تضخم مماثل، بينما يحذر آخرون من أن موجة الإنفاق الحالية تسبق بكثير ظهور تلك المكاسب، وفق فايننشال تايمز.

الديون تدخل معادلة التضخم

انتقل تمويل مشروعات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات من التدفقات النقدية المباشرة لشركات التكنولوجيا، إلى الاعتماد المتزايد على السندات وأسواق الائتمان الخاص وهياكل التمويل التي تنقل جزءاً من الديون خارج الميزانيات التقليدية، ما يربط مستقبل الاستثمار في الذكاء الاصطناعي بصورة أوثق بأسعار الفائدة والأوضاع المالية.

وأشار التقرير السنوي لبنك التسويات الدولية إلى أن أكبر خمس شركات للحوسبة فائقة النطاق تتجه إلى إنفاق أكثر من تريليون دولار على الذكاء الاصطناعي خلال عامي 2025 و2026، ومع تجاوز الالتزامات الرأسمالية للأرباح والتدفقات النقدية الحرة لدى بعض الشركات، أصبح إصدار الديون مصدراً متزايد الأهمية للتمويل.

وأفادت وكالة فيتش بأن إصدارات سندات الشركات الأميركية ارتفعت 26% في النصف الأول من 2026، مدفوعة بدرجة كبيرة بجمع الأموال المرتبط بالذكاء الاصطناعي.

وأصدرت أمازون وألفابت وإنفيديا وميتا وأوراكل وسبيس إكس مجتمعة سندات استثمارية بقيمة 182 مليار دولار، وفق رويترز.

ثروة ورقية تتحول إلى طلب حقيقي

دفعت التوقعات المتفائلة بشأن الذكاء الاصطناعي أسهم التكنولوجيا إلى مستويات مرتفعة، ما عزز ثروات المستثمرين وقدرتهم على الإنفاق؛ وبذلك تنتقل الطفرة من وول ستريت إلى الاقتصاد الحقيقي عبر ما يعرف بـ«أثر الثروة».

وتقدّر فيتش أن الاستثمار المزدهر في تكنولوجيا المعلومات أضاف مباشرة نحو 1.4 نقطة مئوية إلى نمو الاقتصاد الأميركي في الربع الأول من 2026، لكنها حذرت أيضاً من أن مقياس السعر إلى الأرباح المعدل دورياً لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» اقترب من مستويات طفرة الإنترنت أواخر التسعينيات.

ومع استمرار ارتفاع الأسواق قد يدعم الاستهلاك والتضخم، في حين أن تراجع التوقعات بشأن عائدات الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى هبوط الأسهم وتشديد شروط الائتمان وانكماش الاستثمار بصورة حادة.

رابحون وخاسرون بين الاقتصادات

وبحسب خبراء أسواق المال لن يتوزع الأثر بالتساوي؛ فالدول المصدرة للرقائق ومعدات الحوسبة وخدمات الذكاء الاصطناعي قد تستفيد من تحسن الصادرات والاستثمار، بينما تواجه الدول المستوردة ضغوطاً على الميزان التجاري وتكاليف الطاقة والبنية التحتية.

ويرى بنك التسويات الدولية أن هذه الفجوة قد تنتج مسارات متباينة للنمو والتضخم وأسعار الفائدة، كما ظهرت بوادر ضعف في أسواق العمل داخل بعض الاقتصادات والقطاعات الأكثر تعرضاً للأتمتة، رغم استمرار الطلب القوي على المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

اختبار جديد لمصداقية البنوك المركزية

لم يقدم بنك التسويات الدولية وصفة نقدية موحدة، لكنه أشار إلى أن النهج التدريجي المعتمد على البيانات قد يقلل خطر الأخطاء.

وستحتاج البنوك المركزية إلى التمييز بين طفرة إنفاق قصيرة الأجل وارتفاع دائم في الإنتاجية، مع مراقبة الديون وأسعار الأصول وأسواق العمل إلى جانب مؤشرات التضخم التقليدية.

ويرى خبراء أسواق المال أن الخطر الحقيقي ليس أن يكون الذكاء الاصطناعي تضخمياً أو انكماشياً بصورة مطلقة، بل أن يظهر الأثران في أوقات مختلفة، وفي اقتصاد تتحرك فيه الاستثمارات والأسواق أسرع من الإحصاءات الرسمية، قد يصبح تحديد سعر الفائدة الصحيح أصعب من التنبؤ بما ستفعله التكنولوجيا نفسها.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى